الصفحة 9 من 56

انتقاض العلّة (وجودها في محلٍّ مع تخلُّف الحُكم عنها) ، فمن قصد بالعلّة التامَّ منها قال: تخلّف الحُكم عن العلّة في موضعٍ دليلٌ على بطلانها. ومن أراد بالعلّة الناقصَ منها قال: تخلّف الحُكم عن العلّة ليس انتقاضًا لها بل تخصيص، ولا يُعدُّ دليلًا على بطلانها؛ لأنَّ العلّة الناقصة يتخلّف عنها حُكمها عند فقدان شرطٍ من شروطها، أو وجود مانعٍ من موانعها، كـ «سرقة الرجل مالًا من غير حِرز» فإنّ ذلك لا يوجب الحدّ، مع أنّ المقتضي موجود، وهو الأخذ خُفية، لكنْ تخلَّفَ الحُكم عن هذا المقتضي بسبب فقدان شرطٍ من شروط وجوب الحدّ، وهو الحِرز. وعليه، فالخلاف بين الفريقين في هذه المسألة لفظيٌّ مردُّه إلى اختلاف كلِّ فريق فيما يقصده بالعلّة [1] . قال ابن تيميّة، رحمه الله:

«تنازعوا في العلّة هل يجب طردها بحيث تبطل بالتّخصيص والانتقاض؟ والصّواب: أنّ لفظ العلّة يُعبَّر به عن العلّة التامّة، وهو مجموع ما يستلزم الحُكم، فهذه يجب طردُها، ويُعبَّر به عن المقتضي للحُكم الذي يتوقّف اقتضاؤه على ثبوت الشّروط وانتفاء الموانع، فهذه إذا تخلّف الحُكم عنها لغير ذلك بطلت» [2] .

ومن جهةٍ أخرى فالعلّة السّببية نوعان أيضًا: سببٌ منصوص. ووصفٌ ضابط للسّبب المنصوص.

فالأوّل: - السّبب المنصوص - هو ما ثبتت سببيّته للحُكم بالنّصّ أو الإجماع. ومثالُه:

-شرب الخمر والزّنى اللذان هما سببٌ لوجوب الحدّ،

-والنَّوم الذي هو سببٌ لانتقاض الوضوء،

(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص: 485.

(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ص: 18/ 273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت