للتّشابه بينهما في كثيرٍ من الخصائص: أهمّها: أنّهما موجبان للحُكم، أي أنّ الحُكم يدور معهما وجودًا وعدمًا، وأنّهما يتّسمان بالظّهور والانضباط، وأنّهما لا تُشترط لهما المناسبة العقليّة للحُكم. ومن ثَمَّ كان ما يجمع بينهما أكثر ممّا يفرّق.
والمعنى الثاني للعلّة: الحكمة، وهي مقصد الحُكم وغايته. ويمكن تعريفها بأنّها: المعنى المصلحي المقصود جلبه أو دفعه من تشريع الحُكم إن كان تكليفيًّا، أو المتضمَّن فيه إن كان وضعيًّا، أو قُل: هي باعث الشّرع على التّكليف بالحُكم أو على وضعه. ويُعبَّر عنها في كلام الفقهاء والأصوليين بـ المصلحة، وعين المصلحة، ووجه المصلحة، والمعنى، والمعنى المُخيل، والمعنى المناسب، والمَئِنَّة، والحقيقة، وحقيقة العلّة، وروح العلّة، وعلّة السّبب، وعلّة العلّة، والباعث، والحامل، والدّاعي، والمحرِّك، والغرض، والمغزى، والمرمى، والمراد، والمقصد، والمقصود، والقصد، والغاية، والفائدة، والعلّة الغائيّة.
والعلّة بهذا المعنى ضربان: حِكمة الحُكم، وحِكمة السّبب.
فحكمة الحُكم: هي المعنى المصلحي المقصود جلبه أو دفعه من تشريع الحُكم التّكليفي: كحفظ العقل المقصود من تحريم شرب الخمر، وتحصيل الزّجر وتقليل القتل المقصود من إيجاب القصاص، وحفظ الأسرة والنّسل المقصود من تحريم الزّنى. ودفع المشقّة (=التّيسير أو التّخفيف) المقصود من إباحة الفطر للمسافر.
وهذا النّوع من الحكمة أولى بأن يُخصّ باسم المقصد أو الغرض أو الباعث.
وحكمة السّبب: هي المعنى المصلحي الذي لأجل اشتمال سبب الحُكم عليه، علَّق الشّارع الحُكمَ بهذا السّبب، وذلك لتحقيق حكمة الحُكم التّكليفي المترتِّب على هذا السّبب في نهاية الأمر:
-كالمشَقّة المتضمَّنة في السّفر التي من أجلها جُعل السّفر سببًا لإباحة الفطر؛ تحقيقًا لحكمة التّيسير.
-وكتضييع المال المتضمَّن في السّرقة، الذي من أجله جُعلت السّرقة سببًا لوجوب القطع؛ تحقيقًا لحكمة الزّجر عن تضييع المال،