فالجواب: سنأتي إلى توضيح هذه القضيّة عند تعريف الحكمة لاحقًا إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فما الفرق بين ما سبق أن أسميته بـ «ضابط السّبب» ، وما أطلقوا عليه «حكمة السّبب» ؛ إذ من الواضح أنَّهما يشتركان في كونهما وصفًا مُتضمَّنًا في محلّ الحُكم، (أو لازمًا عنه) . فالمشقّة، المُمَثَّل بها على العلّة بمعنى حكمة السّبب، وصفٌ يشتمل عليه السّفر. وقطع مسافة 85 كم المُمَثَّل بها على العلّة بمعنى ضابط السّبب، وصفٌ يشتمل عليه لفظ السّفر كذلك. فلماذا أُدرج الأوّل (المشقّة) تحت العلّة بمعنى الحكمة، وهذا الثاني (قطع مسافة 85 كم) تحت العلّة بمعنى السّبب؟
فالجواب: الفروق بينهما أربعة:
الأوَّل: أنّ ضابط السّبب ليس هو المعنى المصلحيّ نفسَه، كما حكمة السّبب، بل هو مظنَّةٌ لهذا المعنى: طريقٌ إليه وعلامةٌ عليه. ومن هنا فقد أشبه السّبب، واشترك معه في كونه مظنّةً لحِكمة السّبب، فيسوغ أن نقول مثلًا: السّفر (السّبب) مظِنَّةٌ للمشقّة، كما نقول: قطع مسافة 85 كم (ضابط السّبب) مظنّة للمشقّة.
والفرق الثّاني: أنَّ ضابط السّبب هو: إمّا جزء السّبب (كالمادّة المسكرة الموجودة في الخمر) ، وإمّا صفته الملازمة له (كالثّمنيّة أو الطُّعم) ، وإمّا السّبب نفسه ولكن بزيادة قيدٍ كمّيّ أو كيفيّ (كالسّفر الطّويل أو قطع مسافة 85 كم) ، بينما حكمة السّبب ليست هي السّبب نفسه ولا جزءَه، بل وصفٌ آخر وحقيقةٌ أخرى تنتج عنه وتترتّب على حصوله، كالسّكر الناتج عن شرب الخمر، والمشقّة الناتجة عن السّفر، وتشوُّش الفكر الناتج عن غضب القاضي، وهكذا ...
والفرق الثّالث: أنّ ضابط السّبب ظاهرٌ منضبطٌ دائمًا، أمّا الحكمة فلا.
والفرق الرّابع: أنَّ ضابط السّبب قد يكون مناسبًا للحُكم، كسفر 85 كم، وقد لا يكون، مثل الأوصاف الشّبهيّة الّتي تُوهم الاشتمال على مناسبة، بينما هي في ذاتها غير مناسبة، كما مثّلناه بعلّة تحريمِ ربا الفضل ووجوبِ فسخه، من الثّمنيّة،