وعليه، فالمظنّة، وإن اشتهر إطلاقها على العلّة بمعنى السّبب، فهي أعمّ منه، لأنّها تشمل الشّرط والمانع ومحلّ الحُكم التّكليفي؛ إذ كلّ أولئك مظانّ لحكمة الحُكم المتعلِّق بها، تكليفيًّا كان أو وضعيًّا.
وكما أنّ المظنّة أعمّ من العلّة السّببية من الجهة المذكورة، فالسّبب أعمّ منها من جهةٍ أخرى؛ لأنّ السّبب يُطلق على العلل التأقيتيّة التي ليست هي بذاتها مظنّة لحكمة الحُكم المتعلّق بها، كدلوك الشّمس: لا يُقال بأنّه مظنّة للحكمة من وجوب صلاة الظّهر، ورؤية هلال رمضان: لا يُقال بأنّها مظنّة لحكمة وجوب الصّوم.
وأمّا ما قاله البروي في المقترَح: «مِن غَلَط الطّلبة تسمية العلّة مظنّة» [1] . فيعني بذلك أنّ العلّة أعمّ من أن تكون علّة سببيّة فقط، لا أنّه ينفي أن تأتي العلّة بمعنى المظنّة؛ ولذلك قال شارح المقترَح: «يريد أنَّهم غلطوا في إطلاق اسم المظنّة على كلّ علّة، وإنّما تُطلق في الاصطلاح على بعض العلل» [2] .
قلت: وتُطلق المظنّة، أيضًا، في بعض الأحيان، على الحكمة نفسها، ولكن لا بإطلاق، وإنّما بالإضافة إلى الحكمة الّتي فوقها، وهي الّتي تليها في التّسلسُل، كما نقول: الخمر مظنّة للإسكار، والإسكار مظنّة لإيقاع العداوة والبغضاء والصّدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة. وقد سبق توضيح هذا عند الكلام في تسلسل العلل.
والمظنّة - على عكس الحكمة - منصوصةٌ في الغالب. ومع هذا فإنَّها تكون مستنبطةً في حالتين:
إحداهما: إذا كانت ضابطًا اجتهادًّيا للمظنّة المنصوصة، كقطع مسافة أربعة بُرُد (85 كم) الذي ضُبط به السّفر المبيح للفطر، والثّمنيّة أو الطُّعم أو الوزن والكيل الذي ضُبط به محلّ الحُكم بتحريم ربا الفضل، وقد سبق توضيح المقصود بالعلّة بمعنى ضابط السّبب.
(1) المرجع السابق، ص: 154.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ص: 7/ 153.