والحالة الأخرى: إذا كانت مظنّةً مَقيسةً على مظنّة منصوصة، كقياس الألم والجوع المفرطين على الغضب في تحريم قضاء القاضي أو كراهته، لأنّ هذه الأوصاف مظنَّة لتشوّش الذّهن، الذي هو مظنّة لوقوع الخطأ في القضاء، ومن ثمَّ تفويت العدل في الحُكم بين المتخاصمين.
وإذا اتَّضح ما سبق، فـ «التّعليل بالمظنّة» هو نوط الحُكم، وجودًا أو عدمًا أو كليهما، بالمظنّة، وهو يُطلق في مقابل «التّعليل بالحكمة» الذي هو نوط الحكم، وجودًا أو عدمًا أو كليهما، بالحكمة.
ومعنى النّوط وجودًا: إثبات الحكم في كلّ محلٍّ توجد فيه المظنّة أو الحكمة. وهذا قد يقتضي قياس الطَّرد، كما في قياس الجوع والألم المفرطين على الغضب؛ لأنّهما يشوّشان الذّهن (وجود الحكمة) . وكما في قياس الأرزّ على البرّ بعلّة الكيل التي هي ضابط محلّ الحُكم بتحريم ربا الفضل عند الحنفيّة (وجود المظنّة) .
ومعنى النّوط عدمًا: نفي الحُكم عن كلّ محلٍّ تنتفي عنه المظنّة أو الحكمة. وهذا قد يقتضي قياس العكس، كنفي حُكم التّحريم (أو الكراهة) عن قضاء القاضي مع الغضب اليسير؛ لأنَّه لا يشوّش (انتفاء الحكمة) . وكما في نفي الحنفيّة حُكم التّحريم عن بيع قليل البرّ بقليل البرّ، كالحفنة بالحفنتين؛ لأنّه لا يُكال (انتفاء المظنّة) .
وإذا تقرّر هذا فحين يتحدّث الأصوليّون عن «التّعليل بالحكمة» فهم لا يقصدون بذلك:
1.البحث في أنّ الشّريعة هل هي معلَّلة بالمصالح أو لا، وهي مسألة «تعليل الأحكام» التي دار الخلاف فيها: نظريًّا: بين متكلِّمي الأشاعرة من جهة، والمعتزلة والماتريدية من جهةٍ أخرى، وعَمَليًّا: بين الظّاهريّة من جهة، وجمهور الفقهاء من جهةٍ أخرى [1] . وهذا المعنى (تعليل الأحكام) هو أحد معاني مصطلح «التّعليل» ، كما ذكرنا سابقًا. وعليه، فإنّ ما فعله كثيرٌ من المعاصرين الذين تصدّوا لبحث موضوع «التّعليل
(1) ينظر: اللخمي، التعليل بالمصلحة عند الأصوليين، ص: 91؛ شلبي، تعليل الأحكام، ص: 94.