وكذلك الحدود واجبةٌ لفائدة الزّجر الحاصل بها ولا تُعلَّل بها» [1] .
فالنّزاع بين الأصوليّين في «التّعليل بالحكمة» إذن ليس هو في أنَّ الأحكام هل هي معلّلة بالمصالح أو لا، ولا في أنَّه هل يجوز أو لا يجوز ذكر الحكمة والفائدة المتوخَّاة من الحُكم إذا سُلِّم بأنّ الحُكم لا يدور مع هذه الحكمة.
فمثلًا: حُكم قطع يد السّارق فائدته وحكمته الزّجر عن السّرقة، وهو ما يؤدّي تبعًا لذلك إلى حفظ المال على النّاس، قال إمام الحرمين: «قطع السّرقة مشروعٌ لصون الأموال وزجر السّارقين» [2] . فَمِثْلُ هذا التّعليل لا نزاع فيه بين الأصوليّين (إذا استثنينا الظّاهريّة) ، ولكنّه ليس هو المقصود بمسألة «التّعليل بالحكمة» ، وإنّما المقصود هل يجوز نوط حُكم القطع بحكمة الزّجر وحفظ المال نفسها، بحيث يدور الحُكم مع هذه الحكمة بغضّ النّظر عن توفّر مسمّى السّرقة الذي هو السّبب المنصوص عليه للقطع (المظنّة) ؟ ومن ثَمّ، وبالبناء على جواز هذا النَّوط بالحكمة، يمكن القول بقطع النّباش والطّرار (النّشال) ، وربّما المختلس والمنتهِب والمغتصِب ... الخ؛ قياسًا على السّارق؛ لوجود الحكمة وهي تضييع المال، فهذه الجرائم وإن استقلّت بأسماءَ خاصّةٍ في العرف أو اللغة، إلا إنّها تؤدِّي إلى ضياع المال على النّاس مثلما تؤدّي إليه السّرقة. كما يمكن القول - من جهةٍ أخرى، وهي جهة انعدام الحكمة - بأنّ من سرق مالًا مغصوبًا ليردَّه إلى مالكه الأصلي فإنّه لا يُقام عليه الحدّ لفقدان الحكمة، إذ فِعْل هذا السّارق لم يؤدِّ إلى ضياع المال بل إلى حفظه على مالكه. ومَن سرق طفلًا فإنّه لا يُقطع لفقدان الحكمة وهي حفظ المال؛ إذ الطّفل ليس مالًا.
ومثلًا: حُكم إباحة الفطر للمسافر سببه السّفر، وحكمته دفع المشقّة عن المسافر، وهذا محلّ تسليم من الجميع ولا خلاف فيه، ولكنّه ليس المقصود بـ «التّعليل
(1) السمعاني، قواطع الأدلة، ص: 2/ 178.
(2) الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص: 2/ 212.