الصفحة 39 من 56

بالحكمة». وإنّما المقصود هل يجوز نوط حكم إباحة الفطر بالمشقّة نفسها بحيث يدور معها وجودًا وعدمًا، وقطعُه عن الدَّوران مع ذات السّبب والمظنّة المنصوصة (السّفر) ؟ فنقول لمن يعمل عملًا شاقًّا تحت حرّ الشّمس في رمضان ويشقّ عليه الصّوم: يجوز لك الفطر لوجود الحكمة، ونقول لمن يسافر ولا يجد مشقّة - كالملِك المُرَفّه - لا يجوز لك الفطر وإن كنت مسافرًا لفقدان الحكمة.

إذا تقرّر ما سبق فالقول بـ «التّعليل بالحكمة» إذن، ليس هو القول بأنَّ الأحكام مشروعة لتحقيق مصالح الخلق، وليس هو مجرّد إبداء الحكمة المعيَّنة التي يستهدفها حُكمٌ ما، وإنّما هو نوط هذا الحُكم بالحكمة المُبداةِ وجودًا وعدمًا، وقطعُه عن الدّوران مع المظنّة التي غالبًا ما تكون منصوصة، بحيث يثبت في كلّ محلٍّ تثبت فيه الحكمة، وينتفي عن كلّ محلٍّ ترحل عنه الحكمة، بغضّ النّظر عن شمول اسم المظنّة لهذا المحلّ أو لا. والمجيز للتّعليل بالحكمة هو المجيز لهذا النّوط من حيث المبدأ، والمانع من التّعليل بالحكمة هو المانع من هذا النّوط من حيث المبدأ.

وثمّة قيدٌ آخر يمكن أن نضيفه إلى المقصود بـ «التّعليل بالحكمة» أصوليًّا، يتعلَّق بطبيعة الحُكم الذي يجوز نوطه بالحكمة، وبطبيعة النّوط نفسه من حيث الوجود أو العدم؛ إذِ الأحكام التّكليفيّة - كما قلنا - نوعان: مُبتدَأ ومُترتِّب على سبب، فالأوّل هو الثّابت بخطاب التّكليف، والآخر هو الثّابت بخطاب الوضع [1] ، فمثلًا فعل السّرقة يتعلَّق به حُكمان تكليفيّان: تحريم السّرقة، وهو الثّابت بخطاب التّكليف ابتداءً، ووجوب قطع السّارق، وهو الثّابت بخطاب الوضع ثانيًّا (أي وضع السّرقة سببًا للقطع) . والسّفر في شهر رمضان يتعلّق به حكمان تكليفيّان: إباحة السّفر نفسه، وهذا ثابتٌ بخطاب التّكليف ابتداءً، وإباحة الفطر بسبب السّفر، وهذا ثابت بخطاب الوضع ثانيًا.

إذا اتَّضح هذا، فعند التأمُّل نجد أنّه، من حيث المبدأ، لا خلاف بين الأصوليّين في جواز إجراء القياس على الحُكم الابتدائي الثّابت بخطاب التّكليف

(1) القرافي، الفروق، ص: 1/ 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت