باستعمال الحكمة، حتّى لو لم تكن ظاهرة ولا منضبطة: كقياس تناول (أو فِعل) كلّ ما يؤدّي إلى العداوة والبغضاء والصّدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة، على شرب الخمر في حُكم التّحريم؛ للاشتراك في الحكمة المذكورة، وهي حكمة منتشرة غير منضبطة. وإنّما ينحصر الخلاف في «التّعليل بالحكمة» في حالتين:
إحداهما: إذا كان نوط الحُكم بالحكمة من جهة العدم (انتفاء الحُكم لانتفاء الحكمة) يعود على المظنّة المنصوصة بالتّخصيص أو التّقييد، كما في استثناء الغضب اليسير من مطلق الغضب المنصوص عليه؛ لانتفاء حكمة تشوّش الذّهن فيه، وكما في استثناء القتل الخطأ من عموم القتل المنصوص على منعه من الميراث؛ لانتفاء حكمة استعجال الشيء قبل أوانه فيه. وهي المسألة التي يُعبّر عنها أصوليًّا بالقول: هل يجوز للعلّة المستنبطة من نصٍّ أن تَكِرَّ على ظاهر هذا النّصّ بالإبطال، أو أن تعود على عمومه بالتّخصيص [1] . والمنع من التّعليل بالحكمة في هذه الحالة إنّما هو لأجل معارضتها لظاهر النّصّ الذي استُنبطت منه، وليس لأنّها حكمة خفيّة أو مضطّربة، ولذا فإنّ هذا المنع جارٍ في الحِكَم جميعًا، سواءٌ ما كان منها منضبطًا أو خفيًّا أم لم يكن، بل إنّه يجري في المظانّ المستنبطة التي جرى الاتّفاق على جواز التّعليل بها من حيث المبدأ، كالثّمنيّة والطُّعم والوزن أو الكيل.
والحالة الأخرى: إذا كان نوط الحُكم بالحكمة من جهة الوجود يُفضي إلى وضع أسبابٍ جديدة للأحكام بالرأي والاجتهاد توازي الأسباب المنصوصة، وتعمل عملها. وهذه الحالة خاصّة بالأحكام الثّانوية الثّابتة بخطاب الوضع. وهي المسألة الموسومة أصوليًّا بـ «القياس في الأسباب» : كقياس تناول كلّ ما يؤدّي إلى العداوة والبغضاء والصّدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة، على الخمر، لا في حُكم التّحريم الذي هو الحُكم الابتدائي، بل في إيجاب الحدّ الذي هو الحُكم الثّانوي المرتبط بشرب الخمر.
وعليه يمكن القول إنّه:
(1) صالح، أثر تعليل النص على دلالته، ص: 127.