الصفحة 41 من 56

لا وجه للخلاف في قياس النّبّاش والنّشّال والمنتهب والمغتصب والمختلس على السّارق في حُكم التّحريم؛ للاشتراك بينهم في حكمة تضييع المال. وإنّما الخلاف في قياسهم عليه في حُكم وجوب القطع؛ للحكمة المذكورة.

ولا وجه للخلاف في تحريم: التّلاعب بالنُّطَف، وتبديل الأطفال في مستشفى الولادة، وتلقيح المرأة صناعيًّا بمنيٍّ من رجل أجنبيّ، قياسًا لكلّ ذلك على الزّنى؛ للاشتراك في حكمة خلط الأنساب. وإنّما يُتصوّر الخلاف في قياسها عليه في وجوب الحدّ للحكمة المذكورة.

ولا وجه للخلاف في جواز القيام بعملٍ فيه مشقّة في رمضان، قياسًا على جواز إنشاء السّفر فيه. وإنّما يُتصوّر الخلاف في قياسه على السّفر في إباحة الفطر؛ للاشتراك في حكمة المشقّة.

ولا وجه للخلاف في جواز نقل المرأة دمَها إلى رضيع، قياسًا على جواز إرضاعها إيّاه، وإنّما يُتصوّر الخلاف في جواز قياس نقل الدّم على الرّضاعة في ثبوت المَحرميّة بين الأمّ والولد؛ للاشتراك في حكمة ثبوت المحرمية بالرّضاع، وهي إنبات اللّحم وإنشاز العظم (البعضية) .

وممّا يدلّ على أنّ هذا التّقييد الذي ذكرناه في محلّ الخلاف في التّعليل بالحكمة، مقصودٌ للأصوليّين في هذه المسألة، وإن لم يكونوا ذكروا ذلك صراحةً، قرينتان:

إحداهما: أنَّ أوّل ظهور للجدل في مسألة التّعليل بالحكمة في كتب الأصول كان عند تعرّض الحنفيّة لموضوع القياس في الأسباب، حيث نقل النّاقلون - كما قال الغزالي - عن أبي زيد الدّبوسي (ت 430 هـ) : «أنَّ الأحكام تتبع الأسباب دون الحِكَم، وأنَّ الأسباب لا تُعلَّل، وأنّ وضع الأسباب بالرأي والقياس لا وجه له، وأنَّ الحكمة ثمرة الحُكم ومقصودُه لا علّته» [1] . وهذا الذي قاله الدّبوسي بمثابة الشّرح لما

(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص: 604.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت