قاله شيخ شيوخه الكرخي في أصوله: (ت 340 هـ) : «الأصل أنّه يُفرَّق بين علّة الحُكم وحكمته، فإنَّ علَّته موجِبة وحكمتَه غير موجبة» [1] . فمن خلال كلام الدّبوسي يظهر أنّ موضوع المنع من التّعليل بالحكمة مرتبطٌ بالقياس في الأسباب، إِذِ القياس في الأسباب يقتضي قطعَ الحُكم عن السّبب (المظنّة) ، وفي الوقت نفسه، نوطَه بحكمة السّبب. ولذلك بَحث الغزالي موضوع التّعليل بالحكمة، في ضمن مسألة القياس في الأسباب لا خارجها [2] . وهو، بالإضافة إلى زميله إلكِيا الهرّاسي [3] ، هما أوّل من تطرَّق لهذه المسألة من أصوليّي الشّافعيّة متصدِّين للرّدّ على دعوى الدّبوسي. وعن الغزالي انتقل الكلام في التّعليل بالحكمة إلى كتب أصوليّي الشافعيّة الآخذين عنه، كالرّازي والآمدي، ولكنّهم فصلوه عن مسألة القياس في الأسباب، بعد أن كان جزءًا منها؛ ليضعوه في مسألةٍ مستقلّة في أبواب العلّة عند الرّازي [4] ، وفي شروط العلّة عند الآمدي [5] . وقد أشار ابن رحّال الإسكندري (ت 628 هـ) إلى التّرابط بين مسألتي القياس في الأسباب والتّعليل بالحكمة حين قال: «التّعليل بالحكمة ممتنعٌ عند من يمنع القياس في الأسباب، وجائزٌ عند من جوَّزه» [6] .
والقرينة الثّانية: أنّ جميع الأمثلة التي يذكرها الأصوليّون في مسألة التّعليل بالحكمة إنّما هي في الأحكام الثّابتة بخطاب الوضع لا بخطاب التّكليف، كقياس النّبّاش على السّارق، والقاتل بالمثقّل على القاتل بالمحدّد، واللائط على الزّاني، وأصحاب المهن الشاقّة على المسافر ... إلخ.
(1) الكرخي،"أصول الكرخي"، ص: 127.
(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص: 612؛ الغزالي، المستصفى، ص: 230.
(3) الزركشي، البحر المحيط، ص: 7/ 85.
(4) الرازي، المحصول، ص: 5/ 287.
(5) الآمدي، الإحكام، ص: 3/ 202.
(6) الزركشي، البحر المحيط، ص: 7/ 169.