ولعلّ الشّيخ المطيعي هو أوّل من حاول الإشارة إلى هذا القيد الّذي ذكرنا وإن أخطأ الطّريق في ذلك، وذلك حين قال:
«المرادُ بقولهم:"ومن شروط الإلحاق بالعلّة اشتمالها على حكمة تبعث المكلَّف على الامتثال"... غير الحكمة في قولهم:"ومن شروط الإلحاق أن تكون وصفًا ضابطًا لحكمة"... ، لأنَّ المراد بها في هذا الثّاني: الوصف المناسب للحُكم، وهذه الحكمة هي المرادة هنا ... ، وهي التي وقع الخلاف في أنّها يُعلَّل بها أو لا يُعلَّل بها» [1] .
فَقَصَر الخلاف في التّعليل بالحكمة على التّعليل بحكمة السّبب (الحكمة التي يضبطها الوصف) دون حكمة الحُكم. وحكمةُ السّبب إنّما تكون فقط في الأحكام الثّابتة بخطاب الوضع، أمّا ما ثبت بخطاب التّكليف ابتداءً فلا سبب له، ولا حكمة سبب. وهذا يقتضي بالضّرورة أنّ المطيعي يرى حصر الخلاف في «التّعليل بالحكمة» في تعليل الأحكام الثّابتة بخطاب الوضع، دون الأحكام الثّابتة بخطاب التّكليف.
وقد اعترض شلبي [2] على تقرير شيخ شيوخه المطيعي، وبيَّن من خلال إيراد النّقول عن الأصوليّين أنّهم يراوحون في مسألة التّعليل بالحكمة بين ذكر حكمة السّبب (المصلحة أو المفسدة) ، وذكر حكمة الحُكم المُترتِّب على السّبب (جلب المصلحة أو دفع المفسدة) . فالحكمة في كلام الأصوليّين، والأمثلة التي يذكرونها، في المسألة ليست قاصرة على حكمة السّبب، بل يمثّلون بحكمة السّبب أحيانًا، وبحكمة الحُكم أحيانًا أخرى، وعليه فمفهوم الحكمة المختَلَف في التّعليل بها عندهم يشملهما معًا. ومن ذلك، مثلًا، أنّهم يذكرون «تشوّش الفكر» حكمةً للمنع من قضاء الغضبان، فيُقاس عليه الجائع والمتألِّم، كما يذكرون «حكمة الزّجر» لإيجاب القصاص بالقتل
(1) المطيعي، سلم الوصول، ص: 4/ 261.
(2) شلبي، تعليل الأحكام، ص: 136.