الصفحة 44 من 56

بالجارح فيُقاس عليه القتل بالمثقّل [1] ، وتشوّش الفكر حكمةُ سبب، والزّجر عن القتل حكمةُ حُكم.

واعتراض شلبي هذا سليمٌ لا غبار عليه، وشواهده كثيرة، ولكنّه، وإن كان مؤثّرًا في صحّة ما قرّره المطيعي، فلا يؤثّر في القيد الذي أبديناه في المسألة؛ لأنَّ حكمة الحُكم الّتي يمثّل بها الأصوليّون في المسألة (كالزّجر ونحوه) جنبًا إلى جنب مع التّمثيل بحكمة السّبب، هي حكمة الحُكم المترتّب على السّبب، لا حكمة الحُكم الابتدائي للسّبب. فالأصوليّون يذكرون حكمة وجوب القصاص، مثلًا، لا حكمة تحريم القتل، وحكمة إباحة الفطر بسبب السّفر لا حكمة إباحة السّفر. وهم، كما أسلفنا، أغفلوا في عامّتهم التفريق بين حكمة السّبب وحكمة الحُكم المترتّب على هذا السّبب، للتّقارب الشّديد بينهما، بل جعلهما بعضهم شيئًا واحدًا، كما قال الأصفهاني: «الحكمة الّتي بها يكون الوصف سببًا هي الحكمة التي لأجلها يكون الحُكم المرتَّب على الوصف ثابتًا» [2] . وأَوَّل بعضهم حكمة السّبب بحكمة الحُكم، كما قال الفناري: «ما يُقال في رخص السّفر: إنّ السّبب السّفر والحكمة المشقّة وأمثاله، فكلامٌ مجازيّ، والمراد أنّ الحكمة الباعثة دفع مشقّة السّفر» [3] . فالخلط بين هاتين الحكمتين لا يضرّ، ولا يترتّب عليه أثرٌ عمليّ، بخلاف الخلط بين حكمة الحُكم الابتدائي، وحكمة الحُكم الثّابت بخطاب الوضع. وعليه فتمثيل الأصوليّين للمسألة بذكر حِكَم الأحكام الثّابتة بخطاب الوضع لا يقدح في القيد الذي ذكرناه، وإن قدح في قصْر المطيعي الحكمةَ المختلفَ في التّعليل بها على حكمة السّبب دون حكمة الحُكم، إذ حكمة الحُكم تشمل الحُكم بنوعيه الابتدائي والثّانوي.

والحاصل أنّ تقرير المطيعي بأنّ الحكمة المختلَف في التّعليل بها هي حكمة السّبب، تعوزه الدّقّة، ولو أنّه قال: إنَّ الحُكم المختلَف في نوطه بالحكمة لغرض القياس

(1) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص: 330.

(2) الأصفهاني، بيان المختصر، ص: 3/ 175.

(3) الفناري، فصول البدائع، ص: 2/ 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت