مثلها [الشورى:40] ، وكقوله، صلى الله عليه وسلم: لعائشة لما كسرت إناء صفية: (( طعامٌ بطعام وإناء بإناء ) ) [1] ـ تومئ إلى المعنيين التاليين:
أولا: معنى الجبر، وذلك من خلال النص على اشتراط المثلية في الجزاء، وذلك في الأدلة المسوقة كلها، ولا يُفهم من المثلية إلا قصد الشارع إلى إعادة الوضع قبل حصول الضرر إلى ما كان عليه، لا زائدا ولا ناقصا. وهذا دال على توجه إرادته إلى جبر الضرر.
ثانيا: معنى الزجر، وذلك من خلال تعبير الشارع عن استيفاء الضمان بلفظ الاعتداء، والعقاب، والسيئة، فكلُّها ألفاظ موحية، بقوة، إلى إرادة الزجر.
وقول المفسرين: إن التعبير عن استيفاء الحق في هذه الآيات بمثل هذه التعبيرات إنما جاء على عادة العرب في المشاكلة بين الألفاظ ـ على فرض القول به [2] ـ لا يقدح فيما قررنا، لأن المشاكلة نفسها لا تراد عبثا وإنما لمعنى، هو في حالتنا هذه معنى الزجر والجزاء الذي هو من جنس العمل.
وأما الحديث: (( طعام بطعام وإناء بإناء ) )، فقد جاء في بعض طرقه ما يدل على أنه جاء في معنى العقوبة، وهو قول عائشة، رضي الله عنها، بعد أن كسرت الصحن: (( يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء كإناء وطعام كطعام ) ) [3] . فقولُها: (( ما كفارة ما
(1) الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى، السنن، ترقيم أخمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، رقم (1359) ،كتاب الأحكام عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء فيمن يُكسر له الشيء ما يحكم له من مال، وقال حسن صحيح. والحديث بمعناه في البخاري: محمد بن إسماعيل، الصحيح، ترقيم مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط 3، 1407 هـ=1987 م، رقم (4972) ، كتاب النكاح، باب الغيرة.
(2) قال: الألوسي، في قوله تعالى: {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] : (( أي مثل ما فُعل بكم، وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم الْمُسبَّب على السَّبب، نحو: كما تدين تُدان، على نهج المشاكلة. وقال الخفاجي: إن العقاب في العُرف: مطلقُ العذاب ولو ابتداءً، وفي أصل اللغة: المجازاة على عذاب سابق. فإن اعتُبر الثاني فهو مشاكلة، وإن اعتُبر الأول فلا مشاكلة ) ). الألوسي: شهاب الدين محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، 1408 هـ، م 7، ج 14، ص 257.
(3) أبو داود: سليمان بن الأشعث، السنن، ترقيم محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، رقم (3568) ، كتاب البيوع، باب من أفسد شيئا يغرم مثله. والنسائي: أحمد بن شعيب، السنن الصغرى ـ المجتبى، ترقيم عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط 2، 1406 هـ=1986 م، رقم (3957) ، كتاب عشرة النساء، باب الغيرة. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. انظر: ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، القاهرة، ط 1، 1407 هـ=1986 م، ج 5، ص 149.