الذين يستحقون الزجر، بل هو قائم بواجب أوجبه عليه الشرع هو الإبقاء على نفسه. قال الآمدي: (( لا نسلم أن الضمان من حيث هو ضمان عقوبة، ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون وليسا أهلا للعقوبة. وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره مع أن الأكل واجب عليه حفظا لنفسه، والواجب لا عقوبة على فعله. وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار فأصاب مسلما، مع أنه مأمور بالرمي وهو مثاب عليه ) ) [1] .
رابعا: لورود النص وحصول الإجماع على أن دية القتل الخطأ تجب على عاقلة القاتل لا على القاتل نفسه. قال ابن قدامة: (( لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وقد ثبت الأخبار عن رسول الله، صلى
(ص 131)
الله عليه وسلم، أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به )) [2] . ولو كان وجوب هذه الدية لمحض الزجر لوجبت على القاتل فقط، كما هو الحال في دية القتل العمد.
خامسا: للاتفاق على أن الضمان ودفع الدية إنما يكون للمتضرر أو لأهل المقتول، لقوله تعالى: {ودية مسلمة إلى أهله} [النساء:92] لا لبيت المال. ولو كانت الدية للزجر المحض لكان يجب دفعها إلى بيت المال كما هو الحال في العقوبة بأخذ المال عند القائلين بجوازها.
سادسا: لقول أكثر الفقهاء بأن الضمان ـ سواء أكان للنفس أو المال ـ لا يتعدد بتعدد المتسببين في الضرر أو اشتراكهم، فلو اشترك خمسة في قتل شخص لوجبت عليهم دية واحدة لا خمس ديات [3] . ولو كان المقصود بالضمان الزجر لتعدد بتعدد المتسببين بالضرر حتى يحصل الزجر لكل واحد منهم.
فإذا تقرر ما قلنا لم يصح القول بأن الضمان شرع لحكمة الزجر المحض. فلننظر في الحكمة الثانية وهي:
(1) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 19.
(2) ابن قدامة، المغني، ج 8، ص 297.
(3) انظر: الصنعاني: محمد بن إسماعيل الأمير، سبل السلام شرح بلوغ المرام، تحقيق محمد الخولي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 4، 1379 هـ، ج 3، ص 243.