ثانيا: حكمة الجبر المحض:
والقول بهذه الحكمة يقتضي تحميل الضمان لا للمتسبب فيه، وإنما للجهة التي هي أقدر على تحمله، كالمؤسسة، أو المصنع، أو الدولة. وهذا بالفعل ما أخذت به بعض الدول كنيوزيلندا وبعض الولايات الأمريكية في مجال الإصابات البدنية. ويقوم النظام النيوزيلندي على تصنيف المستفيدين منه إلى ثلاثة أصناف:
الأول: العاملون في الدولة والقطاع الخاص، ومن يعولونهم، ويجب على هؤلاء تمويل تكلفة تعويضاتهم بالتكافل فيما بينهم.
والثاني: المصابون في حوادث الطرق ومن يعولونهم ممن يجري تعويضهم من حصيلة التأمين الجبري المفروض على أصحاب المركبات.
والثالث: المصابون الآخرون من غير الشرائح الاجتماعية السابقة، كربات البيوت، وغير العاملين، والسياح، ومن يعولونهم، وهؤلاء تتحمل الدولة تعويضاتهم من خزانتها العامة [1] .
وهل هذه الحكمة ـ الجبر المحض ـ هي المقصودةُ شرعا؟ ... في هذا مجال للنظر، ويمكن أن يُستدل لذلك بما يلي:
أولا: إيجاب الشارع الدية على العاقلة لا على المتسبب في الضرر، وقد ورد بذلك النص، ووقع عليه الإجماع كما قلنا سابقا. وهذا يدل على قصد الجبر المحض، وإلا فلو قلنا: إنه جبر وزجر، أو جبر
(ص 132)
مشوب بالزجر، لما وجب إلا على الذي ارتكب الخطأ نفسه، لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [فاطر:18] .
ثانيا: نَقْلُ سيدنا عمر، رضي الله تعالى عنه، الدية من العاقلة إلى أهل الديوان [2] يدل على التفاته إلى هذا المعنى؛ لأن أهل الديوان أقدر على تحمل الضمان من العاقلة.
(1) انظر: سراج، ضمان العدوان، ص 34.
(2) قال ابن عبد البر: (( أجمع أهل السير والعلم بالخبر أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان ) ). ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، ط 1، دار الوغى، حلب والقاهرة، 1414 هـ، ج 25، ص 221.