ثالثا: إيجاب سيدنا عمر، رضي الله عنه، دية من أصاب نفسه خطأ على عاقلته لورثته [1] ، وهو ما ذهب إليه الأوزاعي وأحمد في رواية وإسحاق [2] ، دال أيضا على معنى الجبر المحض.
رابعا: إيجاب جماهير الفقهاء الضمان على الصغير، والمجنون، والمخطئ، والنائم، وغير هؤلاء ممن لا يستحقون الزجر.
خامسا: إيجاب جماهير الفقهاء، أيضا، الضمان على المضطر، منطلقين في ذلك من القاعدة: الاضطرار لا يبطل حق الغير [3] .
سادسا: تصريح كثير من الفقهاء والأصوليين بهذه الحكمة من الضمان ولم يذكروا غيرها. فمن ذلك على سبيل المثال: قول العز بن عبد السلام: بأن الضمان شرع لـ (( جبر ما فات من مصالح حقوق الله وحقوق عباده، ولا يُشترط في ذلك أن يكون من وجب عليه الجبر آثما، ولذلك شُرع الجبر مع الخطأ والعمد والجهل والعلم والذكر والنسيان وعلى المجانين والصبيان ) ) [4] . وقول السرخسي: (( الضمان إنما يجب جبرانا للفائت ) ) [5] . وقول الكاساني: (( ضمان الغصب لا يخلو: إما أن يكون ضمان زجر، وإما أن يكون ضمان جبر، ولا سبيل إلى الأول؛ لأنه يجب على من ليس من أهل الزجر؛ ولأن الانزجار لا يحصل به فدل أنه ضمان جبر ) ) [6] . وقول ابن مفلح: (( القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر
(1) روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: (( قلت لعطاء: الرجل يصيب نفسه بالجرح خطأ؟ قال: يعقله عاقلته. يقال: يَدٌ من أيدي المسلمين. ثم أخبرني بينا رجل يسير على دابته ضربها فرجعت ثمرةُ سوطه ففقأت عينه، فكتب فيها عمرو بن العاص إلى عمر، فكتب عمر: إن قامت البينة أنه أصاب نفسه خطأ فليودَ. قال عمر: يدٌ من أيدي المسلمين ) ). وعن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: (( أن رجلا فقأ عين نفسه فقضى له عمر بن الخطاب بعقله على عاقلته ) ). الصنعاني: أبو بكر عبد الرزاق بن همام، مصنَّف عبد الرزاق، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1403 هـ، ج 9، ص 415،330.
(2) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 12، ص 228.
(3) المجلة، ص 19.
(4) العز بن عبد السلام: أبو محمد عز الدين بن عبد العزيز السلمي، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 150.
(5) السرخسي: أبو بكر محمد بن أحمد، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، 1406 هـ، ج 11، ص 74.
(6) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 7، ص 143.