الصفحة 22 من 46

السنن» [1] . ولذلك قال، صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلّمه» [2] . وقال لحذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، عندما سأله أن يحدِّثه عن الفتن: «يا حذيفة عليك بكتاب الله فتعلّمه، واتّبع ما فيه خيرًا لك» [3] .

وعلى ذلك سار أصحابه، رضوان الله عليهم: فعن قَرَظَة بن كعب الأنصاري، رضي الله عنه، قال: «بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيّعنا، فمشى معنا إلى موضع يُقال له صِرَار، فقال: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قال: قلنا: لحقّ صحبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولحقّ الأنصار، قال: لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أحدِّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنّكم تقدُمون على قومٍ للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المِرجل، فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد، فأقلّوا الرواية عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم أنا شريككم» [4] .

قال البيهقي (ت: 458 هـ) ، رحمه الله: «أَمَرَهم بتجريد القرآن عند عدم الحاجة إلى الرّواية؛ لأنَّ القوم كانوا رغبوا في أخذ القرآن فلم يُرد اشتغالهم بغيره قبل استحكامه، شفقةً منه على رعيّته» [5] .

وعن عُروة بن الزبير (ت: 130 هـ) ، رحمه الله، قال: «إنَّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السُّنن، فاستشار أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفِق يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أريد أن أكتب السُّنن، وإنّي ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتُبًا، فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنّي واللهِ لا ألبس كتاب الله بشيءٍ أبدًا» [6] .

وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: «أعزم على من كان عنده كتابٌ إلا رجع فمحاه، فإنّما هلك النّاس، حيث تتبَّعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم» [7] . وذَكر في وصف الفقيه بأنّه الذي «لم يدعِ القرآن رغبةً عنه إلى غيره» [8] .

وعن إبراهيم التيمي، قال: «بلغ ابنَ مسعود، رضي الله عنه، أنّ عند ناس كتابًا يُعجبون به، فلم يزل بهم حتى أتوه به، فمحاه ثم قال: إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم، أنّهم أقبلوا على كُتُب علمائهم، وتركوا كتاب ربهم» [9] . ولذلك قال، رضي الله عنه: «إنَّ هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها

(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، (13/ 39) .

(2) البخاري، الصحيح، (6/ 192) .

(3) ابن حبان، صحيح ابن حبان، (1/ 323) . وصحّحه الألباني والأرناؤوط.

(4) ابن ماجه، السنن، (1/ 12) . وقال ابن كثير، مسند الفاروق، (2/ 624) : إسناده جيد، وصحّحه الألباني والأرناؤوط.

(5) البيهقي، معرفة السنن والآثار، (1/ 146) .

(6) معمر بن راشد، جامع معمر بن راشد، (11/ 257) . وقال ابن كثير، مسند الفاروق، (2/ 625) : «إسناد جيّد وقوي إلا أنّ عروة لم يلق عمر بن الخطاب والله أعلم» .

(7) ابن أبي شيبة، المصنف، (5/ 314) . وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (1/ 271) . وفي إسناده جابر الجعفي: ضعيف.

(8) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 811) .

(9) الدارمي، السنن، (1/ 419) . وقال محقق الكتاب حسين سليم أسد: إسناده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت