الصفحة 17 من 45

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له؛ إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة) [مجموع الفتاوى: 11/ 344] .

كما أن إطلاق هذا القول سيفتح - ولا شك - بابًا للتملص من كل حكم شرعي بدعوى أنه يخالف المصلحة الآن، ولعلنا لا نغفل عن أن غالبية من يعارضون الحكم بما أنزل الله في مصر وغيرها من بلاد الإسلام لا يجرؤون على القول بأنهم لا يريدون الإسلام، ولكنهم يتعللون بأن الظروف الآن غير مناسبة لهذا الأمر، وأن مراعاة مصالح الأمة تقتضي عدم الحكم بالشريعة الآن.

حتى إن الكاتب الماركسي عبد الستار الطويلة يقول في كتابه"أمراء الإرهاب"إنه قد أعد مرافعة سيلقيها أمام الله تعالى يوم القيامة يبرر فيها موقفه الرافض لتطبيق الشريعة في مصر، وإنه مطمئن أنه سينال ثوابًا عظيمًا وسيدخل الجنة"حدف"! ومما جاء في هذه المرافعة أننا؛ (نعيش في مصر منذ زمان طويل في عصر مختلف ... فحول المسلمين الألف مليون يعيش أكثر من أربعة آلاف مليون غير مسلم، وبينهم وبيننا نحن المسلمين علاقات متشابكة ونظم عالمية مستقرة، ومصالح لنا في استقرارها، وتقاليد وقواعد وقوانين ذات صبغة دولية، بحيث يجب على أي حاكم أن يراعي كل هذه الاعتبارات وإلا حاق به وبشعبه خسارات جمة، كما أننا في مصر نعيش بمنطق أننا مواطنون لا طوائف ولدينا سبعة أو ثمانية ملايين قبطي يعيشون معنا في سلام ... سأقول يوم القيامة؛ إن أي شعب لا يستطيع أن يتجاهل وجود سبعة ملايين من دين آخر يعيشون معه، طبعًا لن يوافقوا على إقامة حكومة دينية، وإذا ما حدث ذلك فمن يضمن لنا أن ذلك لن يفتح الباب لمعارضة أغلبهم وربما في فتح الباب للتدخلات والاحتجاجات الأجنبية ... إلخ) [من مقال له بعنوان"مرافعة يوم القيامة"، منشور ضمن الكتاب المذكور، ص: 126 وما بعدها] .

ومن أجل قطع الطريق على أصحاب هذه الآراء الباطلة؛ فإن الواجب عدم إطلاق القول بتقديم المصلحة على النص، حتى لو قُصد به مجرد الدعوة إلى قياس المصالح والمفاسد، ولقد وجدت في كتابات بعض العلمانيين ممن احتفوا بهذه المراجعات تركيزهم على هذه القضية، وإعلانهم السرور بهذا المنهج الجديد لقادة"الجماعة"، باعتباره عودة لما كان هؤلاء العلمانيون يدعون إليه من تقديم المصلحة على النص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت