[الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد أثارت قضية المراجعات التي تبناها قادة الجماعة الإسلامية بمصر وما تلاها من أحاديث وحوارات، أثارت كثيرًا من اللغط وردود الأفعال لدى المهتمين بمثل هذه الأمور في داخل مصر وخارجها، وقد وصلتني تساؤلات كثيرة في ما يتعلق بهذا الأمر، ولذا رأيت لزامًا عليَّ أن أخط هذه السطور ملتزمًا الاختصار قدر الطاقة، مع التركيز على الجوانب الشرعية المتعلقة بهذه القضية، فأقول وبالله التوفيق:
أولًا: لا بد من الإشارة بداية إلى بدهية كان ينبغي أن لا نحتاج إلى الإشارة إليها، ألا وهي قضية أن الحق أحق أن يتبع، وأنه لا عصمة لأحد من البشر بعد رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن حبنا لإخواننا وتقديرنا لهم لا يمنعنا من مناقشتهم في بعض ما ذهبوا إليه وتمحيص الحق بالدليل الشرعي،
وقديما قال الإمام ابن القيم في المدارج [2/ 37] عن الإمام الهروي رحمه الله: (( شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ) )، وكذلك نقول والله المستعان.
ثانيًا: لاحظت في كتابات بعض من تناول هذا الأمر الاتجاه نحو إلقاء اللوم على عاتق النظام في مصر وأنه يمارس على هؤلاء القادة أنواعًا من الضغط والابتزاز أكرهتهم على أن يغيروا من فكرهم وتوجهاتهم.
والذي أراه من خلال متابعتي للأمور أنه مع التسليم بوجود ضغوط مادية ومعنوية لا يخلو منها سجن في مصر، فإننا لا يمكن أن نعفي هؤلاء الإخوة من مسؤوليتهم تجاه هذه التحولات؛ فإن المتابع لأحوال هؤلاء القادة في السنوات الأخيرة يعلم يقينًا أنهم اتجهوا هذا الاتجاه الجديد عن قناعة تامة، وإذا كانوا هم يكررون في كل مناسبة أنهم اتخذوا تلك المراجعات بكامل إرادتهم واختيارهم، فهل نحن أدرى بهم من أنفسهم؟
ثم إن موقف هؤلاء القادة هو موقف من يُقتدى به ومن كان في مثل حالهم ليس له والله أعلم أن يترخص ترخص الشخص العادي، وأنا أفهم أن يُكره المرء على أن يقول كلامًا تحت التعذيب أو أن يجبر على أن يخرج ليقول كلامًا مرة ثم ينتهي الأمر، لكن أن يصل الأمر إلى حد كتب تنشر ولقاءات تعقد على الملأ وجولات في السجون لإقناع الآخرين وتهديد بفصل المخالفين أو إيقاع العقوبة عليهم، فإن كل ذلك مما يدل على أن الأمر أمر قناعة تامة من الناحيتين الشرعية والعملية، وعلى ذلك فإنه من الخير لنا أن نتعامل مع هذه المراجعات على أساس مسؤولية أصحابها التامة عنها والنظر إليها على أنها قناعاتهممهما اتفقنا معهم أو اختلفنا حولها.
ثالثًا: وانطلاقًا مما سبق فإن الواجب أن ننظر إلى هذه المراجعات بمنظور الشرع الحنيف الذي أمرنا بالإنصاف في كل أمورنا وإني أجمل رأيي في ما يلي:
1 -لا شك أنه لا اعتراض لنا على الشق العملي المتعلق بما سمي بمبادرة وقف العنف؛ لأنا نعلم يقينًا أنه لا بد في مسائل السياسة الشرعية من قياس المصالح والمفاسد واعتبار ذلك عند كل عمل من هذا القبيل، ولذلك لم يكن لنا من اعتراض على هذه المبادرة، بل كان للعبد الفقير قبل تلك المبادرة وبعدها اعتراضات واعتراضات على ما كان يحدث من مواجهات عسكرية في مصر،
رغم أنني أرى أن المسؤول الأول عن تلك المواجهات هو النظام المصري الذي اعتمد ابتداء من عهد الطاغية زكي بدر سياسة الضرب في سويداء القلب والاعتقالات العشوائية المتكررة دون احترام لقانون - ولا حتى قانون الطوارئ - ودون اعتداد بأحكام القضاء، وغير ذلك مما أثبتته تقارير منظمات حقوق الإنسان بل وأحكام كثير من المحاكم المصرية.
وكانت اعتراضاتنا المشار إليها تتراوح ما بين التنبيه على أخطاء في مسألة قياس المصالح والمفاسد، وبين القول بحرمة بعض الأعمال في ذاتها، وذلك مثل موقفنا من قضية السياحة وحرمة قتل السائحين من حيث كونهم دخلوا ديارنا بأمان أو شبهة أمان.
2 -فهذا بالنسبة للجانب العملي، أما بالنسبة لما أثير في تلك المراجعات من قضايا شرعية وفكرية فإن فيها ما يعتبر من وجهة نظر العبد الفقير مخالفات يجب التنبيه عليها وبيان وجه الصواب فيها:
أ- فمن ذلك ما جاء في بعض تلك الحوارات من التطرق إلى قضية الحكم بغير ما أنزل الله؛ حيث ذكر أحد هؤلاء الإخوة أن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله لا يكفر حتى يرد حكم الله بأن يقول إن حكم الله لا يصلح، أما إذا لم يقل إن حكم الله لا يصلح فإنه لا يكفر أي مهما غير وبدل وشرع من دون الله عز وجل، وقد جاء في الحوار المشار إليه (( أن جميع الإخوة في الجماعة قد اتفقوا على هذا ) ).
ويؤسفني أن أقول: إن هذا قول باطل لا سند له من كتاب أو سنة أو إجماع، وفيه تلبيس وخلط بين الحكم الذي بمعنى القضاء والذي بمعنى التشريع،
· فالقاضي أو الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله في واقعة أو وقائع - مع كونه لا شريعة له يحتكم إليها غير شريعة الإسلام - هو الذي يصح أن يقال فيه إنه لا يكفر إلا إذا اعتقد أن حكم الله لا يصلح أو أن غيره أفضل منه أو مساوٍ له،
· أما التشريع من دون الله فهو بحد ذاته كفر أكبر مخرج من الملة، كما قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، فمن شرع للناس نظامًا لم يأذن به الله فقد جعل من نفسه شريكًا لله عز وجل، وقد قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} .
قال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة تحكيم القوانين: (( فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلَّت على أن قسمة الحكم ثنائية وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية شاءوا أم أبوا بل هم أسوأ منهم حالًا وأكذب منهم مقالًا، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد وأما القانونيون فمتناقضون حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا وقد قال تعالى في أمثال هؤلاء {أولئك هم الكافرون حقًا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} ... ) ).
ويقول الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار [6/ 303] : (( ومن المسائل المجمع عليهاقولًا واعتقادًا: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإنما الطاعة في المعروف، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسُكر واستباحة إبطال الحدود وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة ) ).
ومن رجع إلى كتب الجماعة وأبحاثها القديمة فإنه سيجد عشرات الأدلة والنصوص الشرعية على بطلان هذا القول"الجديد"ورد الشبهات المتعلقة به.
ب- ومن ذلك قضية التحالف مع النظام لمواجهة دولة اليهود في فلسطين، وما ورد في بعض تلك الحوارات من أن ذلك كان (( أحد أسباب إعادة التفكير في الآراء السابقة للجماعة، وإلا كيف سنواجه اليهود، نحن نريد توحيد الصفوف ضد هذه الدولة التي تم غرسها بيننا ومصر بكل طوائفها لا بد أن تقف من أجل تحرير القدس وإقامة الدولة الفلسطينية ) ).
وأقول إن حكامنا لا يعتبرون دولة اليهود عدوًا يجب محاربته، بل هم يرددون في كل حين أن السلام هو خيارهم الاستراتيجي الوحيد، وها نحن نرى العشرات من الشباب يعتقلون ويقدمون لمحاكمات عسكرية بتهمة مساعدة الانتفاضة الفلسطينية، بل قد قرأنا مؤخرًا أن بوش قد طلب من مصر بما لها من خبرة في قمع الحركات الإسلامية أن تتولى قمع الحركات الجهادية في فلسطين بعد فشل كل من دولة العدو والسلطة العرفاتية في القضاء عليها، فكيف يرجى من نظام كهذا أن يكون له دور في مواجهة عدو يعلم كل مسلم صادق أنه لا طريق لمواجهته إلا برفع راية الجهاد؟.
ج- ومن ذلك الإغراق في مسألة تنزيل الفتوى على الواقع، ومحاولة رد كثير من الفتاوى الشرعية الصادرة من أهل العلم بدعوى أنها قد صدرت في زمن غير زماننا وظروف غير ظروفنا، ونحن لا نماري في أن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد كما قال ابن القيم رحمه الله، ولكن الذي نحذر منه أن يمتد ذلك إلى الأحكام الشرعية الثابتة التي تتضمنها تلك الفتاوى، فإن ما كان عامًا من النصوص والفتاوى يجب أن يبقى على عمومه حتى يأتي ما يخصصه كما هو مقرر في علم الأصول.
د- ومن ذلك قضية الاستصلاح، والقول بأن المصلحة يجب أن تقدم على النص فقد جاء على لسان أحد القيادات (( الخطأ الذي وقعنا فيه أننا كنا في الماضي نقدم النص على المصلحة الشرعية ونجعل النص يتحكم في المصلحة فكنا نجاهد دون أن نحسب حساب المصلحة والمفسدة التي سوف تترتب على هذا الجهاد، وهذا خطأ لأن المصلحة في فقه الواقع تتقدم على النص وهي التي تحكم على صوابه ) ).
وأقول إن تقديم المصلحة على النص قول باطل لم يسبق إليه -فيما أعلم -إلا نجم الدين الطوفي من الحنابلة المتأخرين وقد قام عليه العلماء في عصره ومن بعده حتى كفره بعضهم، وما ذاك إلا لأن النص هو كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لنا أن نقدم ما نعتقده مصلحة وسياسة على كلام الله ورسوله كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} ، وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} .
نعم قد تستدعي المصلحة الشرعية تأخير القيام بواجب من الواجبات الشرعية، لكن الذي يجب في هذه الحالة أن نجتهد في إزالة الأسباب التي منعتنا من القيام بهذا الواجب، لا أن نتعلل بالمصلحة - التي يفسرها كل على هواه - في رد النصوص الشرعية المحكمة في الكتاب والسنة، وقريب من ذلك ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيميه من أنه في وقت سقوط الجهاد للعجز عنه يلزم الإعداد له، أي يلزم الاجتهاد في إزالة المانع الذي قد أدى بنا إلى عدم القيام بهذا الواجب.
و- ومن ذلك ما جاء في بعض تلك الحوارات على لسان أحد الإخوة من أنه سيقوم بإبلاغ الشرطة عن من لا يفلح في إقناعه بفكر الجماعة الجديد وتحولاتها، وهذا من أبطل الباطل وأفسده؛ فكيف يجوز لمسلم أن يستعدي على أخيه المسلم أهلَ الظلم والضلال ممن لا يقيمون لشرع الله وزنًا لمجرد اختلافه معه في بعض ما ذهب إليه؟
ورحم الله الإمام أحمد فقد كان ينهى أن يُرفع أمر فاعل المنكر إلى السلطان إذا كان جائرًا لا يتحرى العدل، خشية أن يعاقبه بأكثر مما ينبغي فيكون المبلغ شريكًا في هذا الظلم،
وقد سئل رحمه الله عن الرجل يرى منه الفسق والدعارة ويُنهى فلا ينتهي يرفعه إلى السلطان؟ فقال: إن علمت أنه يقيم الحد عليه فارفعه، وقال: كان لنا جار فرفع إلى السلطان كان قد تأذى منه جيرانه فرفعوه فضربوه مئتي درة فمات [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ص: 40] .
فإذا كانت هذه فتوى الإمام أحمد في شأن من يفعل المعاصي والمنكرات فكيف بمن كانت كل جريمته أنه ثبت على ما يراه صوابًا ولم يتحول مع المتحولين؟!
رابعًا: يجب أن يُعلم أننا لا يسعنا إلا أن نُسر بكل انفراجة تؤدي إلى تخفيف المعاناة عن إخواننا المعتقلين في سجون الظالمين بمصر وغيرها، ونحمد الله على ذلك، لكن ذلك لا يصح أن ينسينا أن قضيتنا الكبرى مع أنظمة الحكم في بلادنا هي قضية الحكم بما أنزل الله، وأننا لا يمكننا أن نعلن رضانا عن نظام حتى يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله فلا يحكم سواهما في قليل أو كثير،
ولا شك أن هذا من أوجه اختلافنا مع إخواننا أصحاب المراجعات والحوارات، كما أني لذات السبب أقول إني لست مع الأخ الأستاذ أسامة رشدي في ثنائه -بإحدى مقالاته الأخيرة- على وزير الداخلية، وقوله إنه يملك من الشجاعة ما يُمكِّنه من أن يقول إن وزير الداخلية الحالي لديه طموح جيد وملكات غير تقليدية ويحاول عمل شيء - أي في شأن الاستقرار والمصالحة الوطنية -.
وذلك أني أرى أن توجهات النظام في محاولة القضاء على كل مد إسلامي لم تتغير في عهد هذا الوزير عن عهد من سبقه، فالكل يعمل من أجل إقصاء الحركة الإسلامية عن أن تكون مؤثرة في الشارع المصري، اختلفت الأساليب، والغايات واحدة، بل إنني أقول إنه إن كان هناك من لوم يقع على الوزير السابق فإن الوزير الحالي شريك فيه فقد كان رئيسًا لمباحث أمن الدولة في عهده.
ثم إن سياسة الوزارة قد تكون تغيرت بالنسبة لشريحة واحدة من الإسلاميين وهم الذين أعلنوا هذه المراجعات أما غيرهم فلا يزالون يعانون من البطش والتنكيل، وما اعتقال الأخ المهندس صلاح هاشم عنا ببعيد.
وهل ننسى ما وقع على الشيخين نشأت وفوزي السعيد وإخوانهما من التعذيب الشديد ثم إحالتهم إلى محاكمة عسكرية بتهمة مساعدة الانتفاضة أو المجاهدين الشيشان؟
وهل ننسى ما يتعرض له كثيرون من إخواننا في جماعة الجهاد وجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير وغيرهم من الظلم والاضطهاد في هذا العهد الميمون؟ لقد خبنا وخسرنا إن حصرنا همنا في جماعة بعينها دون النظر إلى من عداها من المسلمين.
بل إنني أقول إنه لو كان في مصر تطبيق صحيح حتى للقانون الوضعي لكان السجن هو الآن مقر هذا الوزير وأعوانه، فكم من أحكام صادرة عن القضاء في مصر عطلت وزارة الداخلية تنفيذها، ولقد قرأت في بعض الصحف منذ فترة رسالة من أب يقول إن ابنه المعتقل قد حصل على عشرين حكمًا قضائيًا بالإفراج عنه، ولكن وزارة الداخلية ترفض أن تنفذ هذه الأحكام، واسألوا أهل القانون عن عقوبة من يعطل أحكام القضاء ويرفض تنفيذها.
ثم إنني أقول إنه إذا كان هناك من توجه إيجابي لوزارة الداخلية حاليًا فإنما سببه البحث عن مصلحة النظام نفسه وإخراجه من مأزق يعاني منه منذ سنين فهذا العدد الهائل من المعتقلين بلا ذنب ولا جريرة الذين قد مضى على كثير منهم ما يقرب من خمسة عشر عامًا، هو في حد ذاته مأزق لهذا النظام إذ إنه يكتسب كل يوم عداوة أهالي أولئك المعتقلين، وتصدر كل حين تقارير من منظمات حقوقية حول انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وما زال النظام يبحث عن حل لهذه المشكلة، حتى كان الحل السحري في مثل هذه المراجعات التي أنصف أخونا أسامة رشدي حين سماها بعملية تتويب جماعي.
أسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا
وأن يهدينا سبلنا وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها
وأن يجيرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة
آمين
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين