مقدمات لابد منها، حتى نحدد من خلالها ماهية مطالب الحركة الإسلامية وما هو قائم اليوم في عالمنا العربي والإسلامي، ومن ثم نتناول مناهج التغيير المطلوبة في حال تصادم الرؤى مدللين على ذلك بالوقائع التاريخية الثابتة، مؤكدين - إضافة إلى ذلك كله - أن أصحاب الفكرة الواحدة ليس لهم أن يتصادموا بل عليهم أن يتكاملوا، ولا يسمحوا لمواقف تكتيكية عابرة يمليها عليهم الواقع أن تشتت جهودهم وتفرق صفوفهم.
مؤكدين أيضا أن الحركة الإسلامية مثلها مثل أي كائن حي متفاعل مع محيطه لا بد لها من مراجعات كل فترة من الزمن تقيم بها مسيرتها وتنتقد بها ذاتها في محاولة منها للتصحيح كلما كان ذلك ضروريا، إلا أنه ينبغي أن يفرق دائما بين المراجعات التصحيحية والتراجعات المنهجية، إن المراجعات مندوب إليها مطلوبة، أما التراجعات فهي ردة فكرية أو منهجية لا ينبغي لأي من المخلصين أن يسلك مسلك أصحابها أو أن يطرق بابها.
أما المقدمات البدهية التي - أشرنا إليها وينبغي التأكيد عليها - فأولها أن التيار الإسلامي بمختلف توجهاته والأنظمة الحاكمة اليوم متضادان في طرحهما ورؤيتهما، ولا يمكن القبول بمقولة أن الخلاف بين هذا التيار والأنظمة القائمة هو من نوعية الخلاف الذي يمكن أن يلتقي أصحابه مع وجوده.
فالتيار الإسلامي بمختلف توجهاته يطالب بوجوب قيام دولة تتحاكم إلى دستور مستمد من التشريعات الربانية في كل مناحي الحياة، ويعتبر أن القيمة الحقيقية للعدل تكمن في أن يذعن الجميع الحاكم والمحكوم لقانون لم يضعه أي منهما، وليس لأي منهما القدرة على تغييره، أي أنه قانون أبدي يستمد قوته وقدسيته من قوة وقدسية من وضعه وهو في عقيدة المسلم الله عز وجل سواء كان التشريع مأخوذا من كتاب الله سبحانه وتعالى أم مأخوذا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
أما الأنظمة الحاكمة اليوم وبمختلف توجهاتها أيضا فإنها واقعا لا تذعن للتشريعات الربانية، ولا تنوي فعل ذلك، وهي فوق التزامها بقوى خارجية تدفعها لذلك، أصبحت تعتقد أن مصالحها واستمرار سلطانها مرهون باستمرار هذه الحال، وهذه التشريعات، ولا يمكن لها بحال أن تقبل بسن تشريعات تساوي بينها وبين مختلف فئات الشعب، وهي تعتقد أنه يتعذر عليها من خلال هذه التشريعات الربانية أن تتحصل على مصالحها وتضمن استمرار سلطانها.