ومن هنا يتبين أن الخلاف بين التيار الإسلامي والأنظمة ليس خلافا من النوع الذي يقوم بين أبناء الفكرة الواحدة التي يمكن للأطراف المختلفة في إطارها أن يتجاوز كل منهما عن بعض مطالبه فيلتقيان في النهاية على صورة من صور اللقاء.
فأبناء الفكرة الواحدة الذين يحدث بينهم خلاف في جزئياتها أو كيفية تطبيقها، يمكنهم أن يصلوا إلى حلول يتمكنون من خلالها من تقريب وجهات النظر بينهم، أو على الأقل يحتفظ كل منهما بوجهة نظره على أن يحتفظوا بدرجة من درجات العلاقة غير التصادمية بينهما.
وهذا يقودنا إلي المقدمة البدهية الثانية ونعني بها أن أصحاب الرؤى المتعارضة والمتصادمة لا يمكنهم الالتقاء ولكن لا بد لهم من مدافعة وصراع.
فالمستقرئ للتاريخ يتبين له أن أصحاب الرؤى المتعارضة والمتصادمة لا يمكنهم بحال الالتقاء في منتصف الطريق، حتى لو كانت هذه الرؤى لا تتمتع ببعد ديني.
لقد قامت ثورة فرنسا التي أطلقوا عليها الثورة الأم، والتي نادت بالحرية والمساواة، بثورة شاملة طالت كل المفاهيم التي كانت سائدة قبل الثورة، ولم تقبل الالتقاء مع هذه المفاهيم بأي درجة من الدرجات، ومضى القائمون عليها في ثورتهم إلى نهايتها وبدون أن يتركوا أي فرصة للالتقاء في منتصف الطريق أو أن يتم التباحث في كيفية الوصول إلى حل وسط.
وكذلك جاءت الثورة البلشفية الحمراء في بداية هذا القرن الذي أوشك على الانتهاء، جاءت لتقضي على القياصرة والطبقة الحاكمة في روسيا دون أن تترك فرصة أيضا للتباحث حول أنصاف الحلول.
بل إن ما حدث في قارتنا الإفريقية في أثيوبيا وجنوب أفريقيا وهو قريب العهد نسبيا ليؤكد أن أصحاب الأفكار المتصادمة يتصادمون ولا يلتقون إلا بقانون المنتصر والمهزوم.
فالثورة الشعبية المسلحة على امبراطور اثيوبيا هايلا سلاسي لم تقبل بحلول جزئية أو إصلاحات وقتية ولم تركن إلى أنصاف الحلول، وظلت في مقاومتها حتى تحقق لها ما أرادت.
ولقد صمد المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا في مقاومته لما عرف بسياسة التفرقة العنصرية بقيادة مانديلا - على الرغم من قضائه أكثر من سبعة وعشرين عاما في السجون - حتى أصبح المؤتمر هو الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا ورئيسه مانديلا رئيسا للدولة دون