أن يقدم أي تنازل لسياسة التفرقة العنصرية أو الأقلية البيضاء الحاكمة في جنوب أفريقيا والمدعومة من القوى الاستعمارية في بريطانيا وأمريكا.
والحديث عن أنصاف الحلول يردده في الغالب إما الأطراف المتماثلة أو الأطراف التي يكون من بينها منتصر ومهزوم، والمهزوم غالبا ما يلجأ إلى هذا الطرح ليكسب شيئا ولو ضئيلا بدلا من أن يخسر كل شيء.
ولا أحسب أن شيئا من ذلك ينطبق على أبناء الحركة الإسلامية بمختلف اتجاهاتهم.
إن الذين يعتقدون أن شيئا من مداراة أهل الحكم وشيئا من الحكمة في الدعوة كفيل بأن يحقق لأصحاب الفكرة الإسلامية ما يريدون، هم قوم في الحقيقة لم يدرسوا الواقع دراسة صحيحة وفي نفس الوقت لم يستوعبوا منهج الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم لهذا الدين، ولم يفهموا الحكمة التي اقتضاها الله عز وجل من صراع أهل الحق والباطل.
إن أحدا مهما أوتي من حكمة وقدرة على استيعاب المناوئين اجتهادا منه أن ذلك لمصلحة الدين، لن يكون مثل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وهو ما يصلح دليلا نرتكز عليه قبل استعراض الوقائع التاريخية التي سردناها آنفا لنوضح من خلالها أن أصحاب الأفكار المتعارضة لا يمكنهم أن يلتقوا بحال من الأحوال.
فمع حكمة الأنبياء وحرصهم على مصلحة الدعوة والدين، فقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يتصدى الكافرون لأنبيائهم وهم من عشيرتهم وأبناء عمومتهم بل وأحيانا من أبنائهم كما فعل آزر والد إبراهيم عليه السلام.
أغرق الله قوم نوح انتقاما منهم لنبيه ومن آمنوا معه على الرغم من طول الفترة التي مكثها نوح عليه السلام في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين وأنجى الله نوحا ومن آمن معه.
وأغرق الله فرعون وجنده عندما طغوا وتجبروا على الرغم من حلم موسى وقبوله بعرض فرعون في إقامة الحجة عليه وتحدي السحرة ولكن كعادة أهل الكفر عندما أدحض الله حجتهم تنكبوا لفكرتهم ولجأوا إلى قوتهم بعيدا عن الحجة والمنطق وأخذ يردد إنه لكبيركم الذي علمكم السحر .. آمنتم له قبل أن آذن لكم .. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف.