أما مع خاتم الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فاستمرت المعارك بينه وبين قومه ردحا من الزمن هزمهم مرة وهزموه أخرى، حتى فتح الله عليه مكة، فقال له أهلها عندها وعندها فقط، أخ كريم وابن أخ كريم، وقال لهم بدوره صلى الله عليه وسلم"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وهكذا على الرغم مما أوتي صلى الله عليه وسلم من الحكمة وعلى الرغم من تأييد الوحي له وعلى الرغم من الأدلة العقلية والمادية التي ساقها القرآن على مدار ثلاثة عشر عاما من عمر الدعوة في مكة لكفارها وغيرهم إلا أنهم استمروا مع هذا كله في كفرهم وغيهم ولم تتحول مكة إلى دار إسلامية يذعن كل أهلها للإسلام، مع أن الإسلام بما يحمل من مبادئ لصلاح الإنسان في معاشه ومعاده لا يقارن بغيره، ورسولنا صلى الله عليه وسلم لايقارن بغيره صبرا وحلما وقدرة على التعامل مع الغير، ودعوتهم بالتي هي أحسن، وبما يناسب عقولهم وإدراكاتهم.
ودفعه كفار مكة على الرغم من ذلك كله للهجرة وترك أرضه ووطنه ومن ثم عاد إليها صلى الله عليه وسلم فاتحا مؤيدا بنصر الله تعالى بعد غربة استمرت ثمانية أعوام.
إن الحكمة التي نستطيع أن نستوعبها من استعراض منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التغيير والدعوة لا يمكن أن تخرج من كون المناهج المتغايرة لا يمكنها أن تتعايش، ولا يمكن أن يقبل أحدهما من الآخر أن يقضي عليه.
والأمر كذلك فإن أبناء الحركة الإسلامية بمختلف توجهاتهم ينبغي عليهم أن يبحثوا عما يوحدهم ولا يفرقهم يجمعهم ولا يشتتهم يوقنون بأنهم أصحاب فكرة واحدة، كما أن الأنظمة الحاكمة مهما اختلفت أسماؤها هم أيضا أصحاب فكرة واحدة مناهضة للفكرة الإسلامية وتعمل للقضاء عليها بدوافع شتى، ومن ثم فلا مجال للحديث عن الفتوى والجدوى في مثل حالتنا اليوم، فأبناء الحركة الإسلامية منذ سقوط الخلافة الإسلامية هم طلاب عودة للهوية والدين في مقابل أنظمة عمدت إلى طمس الهوية والدين بقوة الحديد والنار، وبدون أي هوادة أو لين.
إن الذي يجب أن يحكم أبناء الحركة الإسلامية في صراعهم مع الأنظمة القائمة هي سياسة الكر والفر، وليس النظر في الأحكام المستقرة وما يترتب عليها من فتوى أو جدوى.
وعندما نتعرض للحديث عن سياسة الكر والفر، فإننا نتعرض لها من مفهومها الواسع الذي لا يرتبط بنتيجة معركة محددة في ميدان، إنما نتحدث عنها داخل دائرة متسعة تتسع بحجم الهوة التي تفصل بين الحركة الإسلامية من جهة، والطوائف الحاكمة من جهة أخرى.