وجه الدلالة: الحديث فيه دلالة على إباحة إجارة المسلم نفسه من عدوه، حيث إن خبابًا كان مسلمًا وأجّر نفسه للعاص بن وائل بمكة مقابل المال، واطَّلَع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وأقره عليه [1] .
2.عن عَليّ بن أَبِي طَالِب - رضي الله عنه - قال: (لقد خَرجتُ في يومٍ شاتٍ من بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أَخذتُ إهابًا مَعْطونًا، فَجَوَّبتُ وَسطَهُ فأدخلتُه عُنُقي، وشَدَدَتُ وَسَطي، فحزمتهُ بخُوص النخل، وإني لَشديدُ الجوع، ولو كان في بيتِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - طعامٌ لَطَعِمتُ منه، فخرجتُ ألتمسُ شيئًا، فمررتُ بيهوديٍّ في مالٍ له، وهو يَسقي ببَكرة له: فاطلعتُ عليه من ثُلْمَةِ الحائط، فقال: مالك يا أعرابي؟ هل لك في دَلْوٍ بتمرة؟ فقلت: نعم، فافتحِ الباب حتى أَدخلَ، ففتحَ فدخلتُ، فأَعطاني دلوه، فكُلما نَزعتُ دَلْوًا أَعطاني تمرة، حتى إِذا امتلأت كفِّي أَرسلتُ دَلْوَه، وقلتُ: حَسبْي، فأكلتها، ثم جَرَعتُ من الماءِ فشَرِبتُ، ثم جئتُ المسجدَ فوجدتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فيه) [سنن الترمذي 4/ 2473:645] .
3.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي أَرَى لَوْنَكَ مُنْكَفِئًا؟ قَالَ: الْخُمْصُ، فَانْطَلَقَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَخَرَجَ يَطْلُبُ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودِيٍّ يَسْقِي نَخْلًا لَهُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْيَهُودِيِّ: أَسْقِي لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ كُلُّ دَلْوٍ بتمَرَةٍ وَاشتَرَطَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ فيه خَدِرَةً وَلَا تارزةً [2] وَلَا حَشَفَةً، وَلَا يَأْخُذَ إِلَّا جَيِّدَةً، فَاسْتَقَى لَهُ بنَحْوٍ مِنْ صَاعَيْنِ تَمْرًا، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ يَسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا أُتِيَ بِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ بِصَاعٍ، وَأَكَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ صَاعًا ... ) [سنن ابن ماجة 2448:818؛ شعب الإيمان 2/ 1475:174] .
وجه الدلالة: في الحديثين دليل على جواز تأجير المسلم نفسه لعدوه فيما لا إهانة فيه للمسلم، حيث أجّر علي والأنصاري -رضي الله عنهما- نفسيهما من يهوديين للحصول على المال، وقد أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا المال [3] .
4.تعتبر إجارة المسلم نفسه لعدوه من عقود المعاوضة التي لا إذلال فيها للمسلم [4] .
وقد ذهب المالكية في المقابل إلى كراهية إجارة المسلم نفسه لعدوه حتى فيما لم يكن فيه إهانة للمسلم، فقد سئل الإمام مالك:"أرأيت إذا آجر المسلم نفسه من الكافر على أن يحرس له في زيتونه أو يحرث له أو يبني له بيتًا، فقال: أكره أن يؤاجر نفسه في خدمة هذا النصراني" [5] .
(1) ينظر: ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 4/ 452؛ الزيلعي: نصب الراية لأحاديث الهداية مع بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، 3/ 391.
(2) خدرة: هي التي اسوَّد بطنها، ينظر: ابن ماجه: هامش كتاب ابن ماجه، ص 819؛ والتارزة: هي اليابسة، ينظر: ابن قتيبة الدينوري: غريب الحديث، 2/ 111.
(3) ينظر: ابن القيم: أحكام أهل الذمة، 1/ 566.
(4) ينظر: ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 4/ 452؛ العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 12/ 134؛ ابن قدامة المقدسي: الشرح الكبير، 14/ 336.
(5) الإمام مالك: المدونة، 4/ 433.