الفتوى والاجتهاد، الذين كان لفتاواهم واجتهاداتهم في مواقف معينة في أثرها البالغ والظاهر في حفظ الدين وحماية العقيدة الصحيحة في نفوس وعقول المكلفين من الذين يدخلون بإذن الله في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] وهم كثير ولله الحمد، ومنهم:
إمام دار الهجرة العالم المجتهد صاحب المذهب مالك بن أنس؛ المتوفى سنة 179 هـ رحمه الله، الذي أثرت عنه الأقوال المتواترة في تقدير الفتوى وبيان عظيم شأنها! ومنها: ما نقله ابن خلكان عن الحميدي في كتابه «جذوة المقتبس» قال: «وحدث القعنبي، قال: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه؛ فسلمت عليه، فجلست، فرأيته يبكي! فقلت: يا أبا عبد الله وما يبكيك؟ فقال لي: يا بن قعنب، وما لي لا أبكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط، وقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي!!» [1] .
ولقد سئل هذا الإمام العلم عن مسألة عقدية تتعلق بصفات الله تعالى، فأفتى فيها عن علم وفقه، فكانت فتواه شافية كافية في المسألة ذاتها، إلا أن أثرها تعدى
(1) «وفيات الأعيان» (4/ 137 - 138) .