الأواني وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة، بخلاف الاختلاف في العقود، والأملاك، والرهون والأوقاف ونحوها إنما ذلك لمصالح الدنيا.
وبهذا يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان: منها ما يقبل حكم الحاكم مع الفتيا، فيجمع الحكمان، ومنها لا يقبل إلا الفتوى، ويظهر لك بهذا أيضا تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع هل هو من باب الفتوى أو من باب القضاء والإنشاء وأيضا يظهر أن إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة فتوى، وأما أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فحكم وفتوى من جهة أنه تنازع بين الفقراء والأغنياء في المال الذي هو مصلحة دنيوية؛ ولذلك أن تصرفات السعاة والجباة في الزكاة أحكام لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها، ويصير حينئذ مذهبنا، ويظهر بهذا التقرير أيضا سر قول الفقهاء: إن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض، وأنه يرجع إلى القاعدة الأصولية، وتصير هذه الصورة مستثناة من تلك الأدلة العامة كاستثناء المصراة، والعرايا، والمساقاة وغيرها من المستثنيات) [1]
و ينبغي أن يعلم أن اختيار الحاكم لأحد الأمرين ليس على إطلاقه، فاختياره يرفع الخلاف فيما تجري فيه الدعاوى والخصومات مما يجري بين الناس عادة، كالحقوق المالية والجنايات والحدود ونحوها.
ومثال ذلك: قبول شهادة الفاسق فيها قولان. والرهن هل يلزم بالقبض أو بمجرد العقد؟ قولان، فلو اختار الحاكم أحد القولين في هاتين المسألتين مثلًا ارتفع بقوله الخلاف
(1) الفروق مع حواشيه 4/ 112 - 117