ولزم الناس الأخذ بقوله فيما تنازعوا فيه، وهذا بخلاف ماله علاقة بالاعتقاد أو العبادات المحضة: كالطهارة، والصلاة والصيام مثل: الشرب من مياه المجاري المنقاة والمعالجة، ومثل دعاء الاستفتاح في الصلاة، وعدد ركعات الوتر أو القنوت في النازلة، فلو اختار الحاكم أحد هذه الصيغ أو الأقوال، أو اختار تفسير آية أو معنى حديث على غيره فلا يرتفع باختياره الخلاف بين المختلفين، ولا يلزم الناس اتباعه فيما ذهب إليه وتبناه، ولا يصح له أن يجبرهم أن يأخذوا بقوله، لأن مثل هذه عبادات محضة لا يرفع الخلاف فيها حكم الحاكم أو اختياره أو تبنيه أحد القولين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث، أو حكم خبري أو طلبي، لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتًا بمجرد حكم حاكم، فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة - يعني ما تدخله الدعاوى والخصومات- دون العامة، ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى: ... {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [1] هو الحيض أوالأطهار، ويكون هذا حكم يلزم جميع الناس قوله، أو يحكم بأن اللمس بقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [2] هو الوطء والمباشرة فيما دونه، أو بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الأب والسيد، وهذا لا يقوله أحد.
وكذلك الناس إذا تنازعوا في قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [3] فقال: هو
(1) البقرة:228
(2) النساء:43
(3) طه:5