هكذا أيها الإخوة! نعود إلى القضية، وهي أعظم مفسدةٍ إذا وقعت المنة الإلهية على أناسٍ جهلاء؛ وقلنا الجهل؛ إما أن يكون بسيطًا: وهو عدم العلم بالشيء، وإما أن يكون مركبًا: وهو العلم بنقيض الشيء. فهؤلاء جهلة، ظنوا الحرام حلالًا، وظنوا الزنا بصورته الواقعية العملية أنه شرعٌ ودين، وهم بهذا -كما يقولون- يقضون على الزنا؛ أرأيتم مفسدةً وقوع المنة الإلهية على قومٍ لا يستحقونها؟ كيف يكون أثرها على الإسلام؟ وكيف يكون أثرها على هداية الله للخلق؟
أليست الدولة الإسلامية ومقصد التمكين في الأرض: هو إدخال الناس في الدين، أي إن أعظم مقصدٍ تقوم به دولة الإسلام؛ هو هداية الناس إلى الإسلام، أن تحمل الدولة الدعوة هذا هو مقصدها؛ فإذا كانت هذه صفة التمكين وصفة الدولة، فكيف سيدخل الناس دين الله؟ الأمثلة التي تدل على أنه من رحمة الله أن لا تمكن الأمة، وهي في وضعها هذا كثيرًا؛ كيف يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الأمانة، حين ترفع من جذر قلوب الرجال؟ قال: (وترفع الأمانة من جذر قلوب الرجال، حتى لا يبقى أمينًا، حتى يقول الناس: إن في قبيلة فلان رجلًا أمينًا) .
إذا كان الحاكم لصًا وباسم الإسلام، وإذا كانت الرعية لصوص وكذبة وباسم الإسلام؛ فكيف سيكون الحال؟ واعذروني إذا قلت لكم، إذا أردتم أن تروا صورة الخلافة القادمة إذا وقعت علينا، إذا وقعت منة الله بتحقق الخلافة على رموزنا، على هذه الحركات، وعلى هذه التجمعات، وعلى هذه الأمارات؛ إذا أردتم أن تروا صورها في واقعها المستقبليّ، فانظروا إليها في واقعها الحاليّ وكبروها؛ أي كبروا هذه الصورة، وبدل أن يملك المخالف لك لسانًا، ارسم بيده سيفًا.
أي حين يكون الخلاف باللسان، سيكون الخلاف يوم ذاك بالسيف، والقتل والتدمير للمخالف؛ إذا أردتم أن تروا خلق خليفتنا القادم، إذا تحقق الفضل الإلهي في هذه الأيام؛ فانظر إلى صورة أميرنا في جماعتنا، مكبرًا في ذلك الوقت؛ لتروا أي صورةٍ مخزيةٍ مهولة حينئذٍ. وكلامي هذا انبه على نقطةٍ مهمة؛ فهو حديثٌ عن جانب القدر، وليس عن جانب الشرع؛ بمعنى إن هذا الذي نتكلم به، هو من أجل بيان نعمة الله علينا، بأننا نتخاصم ولا نملك إلا اليد، ونتشاجر فلا نملك إلا اللسان، هو حديثٌ عن نعمة الله علينا.
وإلا بفجورنا هذا، وبكذبنا هذا، وبأخلاقنا هذه، وبظلمنا بين أنفسنا هذا، على كل مستويات ما يسمى بالمسلمين؛ جماعات، تجمعات، مجتمعات، أفراد، أسر، هو تحديثٌ عن نعمة الله، بعدم تحقق التمكين؛ لعدم وجود قابلية التمكين، بالتقوى، بالقوة، بالأمانة، بالصدق، بالعدل، بالوفاء، بالاخلاص للناس قبل