فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 545

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا.

أيها الإخوة! كان من قدر الله -عز وجل- الحكيم، أن الله -سبحانه وتعالى- جعل في البشر مسيئًا ومطيعًا، جعل فيهم وليًا له، وجعل فيهم عدوًا له، وهذا من تمام حكمته، فإن الملائكة لما عرض الله -عز وجل- عليهم أمْر خلْق آدم: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ؛ وقد وقع في الخلق ما قالت الملائكة؛ من وجود أقوامٍ لا يشكرون الله، ويعصونه، ويسفكون الدماء.

ولكن قوله -سبحانه وتعالى-: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، إنما هو لوجود الصراع؛ ما بين المؤمنين وما بين الكافرين، ما بين الذين يسفكون الدماء بمعصية، وما بين الذين يسفكون الدماء بطاعة، ما بين الذين يريقون الدماء؛ من أجل شهواتهم، وتبعًا لأوامر شياطينهم، وما بين الذين يسفكون الدماء؛ تبعًا واقتداءً بأمر الله -سبحانه وتعالى-، وابتغاء مرضاته؛ فوجود الثلة المؤمنة، هي مقصد خلق الله -سبحانه وتعالى-، وهي ثلةٌ قليلة، ليست بالثلة كثيرة على مدار التاريخ.

لو أخذنا سيرة الأنبياء جميعًا، لوجدنا أنهم الأقل وأنهم الأضعف! وإن كثيرًا من أخبار القرآن الكريم، عن أقوامٍ امتثلوا أمر الله -سبحانه وتعالى-، لم تكن نهاية أمرهم العزة، ولم تكن نهاية أمرهم السؤدد والنصر! بل كان نهاية أمرهم العذاب والحرق، والسجن والطرد، والذبح والإفناء، هكذا كانت نهاية أمر الكثير، ممن أطاعوا الله -سبحانه وتعالى-.

ولذلك التاريخ الإنساني، منذ آدم -عليه السلام- إلى يومنا هذا؛ إنما شعاره سفكُ الدماء، شعاره الذبح؛ فإنه ما كاد آدم النبي الرسول ينزل إلى الأرض، حتى قتل أحد أبنائه الابن الآخر! هكذا افتُتحت الحياة، وهكذا جرَت على هذه السنن، شعارها الدفع؛ كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} ؛ {لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ} : هذه المدافعة القليلة، ربما لا تصنع نصرةً كونيةً كاملة.

الخيال الإسلامي المعطَّل هذه الأيام؛ يسمع خيالاتٍ عجيبة لمهمة الجهاد، ولمهمة الذبح، ولمهمة القتال، فإن لم تتحقق هذه المهمة، المتخيَّلة في الذهن الكليل؛ ذهب يرمي هذا الجهاد، وهذا القتال، ذهب يرميه بأشد أنواع التهم، ويقذفه بأشد أنواع الباطل.

الخيال المسلم في هذا العصر، خيالٌ لا أريد أن أستطرد في بيان أصله، وأقول لكم: أن الكليات التي أحدثها عدو الله أرسطو، في نظرته للأمور؛ هي التي أفسدت العقل المسلم، أفسدت العلماء قديمًا، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت