فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 545

سرى هذا الإفساد إلى العوام، حتى سرى في الشباب، فهو -هذا الشاب، وهذا القائد، وهذا المنظر- عندما ينظر إلى لأمور، ينظر إليها من نظرةٍ كليةٍ عامة! لا ينظر إليها، من نظرة ارتباطها بالله -سبحانه وتعالى-.

لا يسمي مسلم في هذه الأيام، معركةً من المعارك، ولا يطلق عليها لفظ العظمة -أنها معركةٌ عظيمة-؛ حتى تكون هذه المعركة كونية، شاملة للوجود بأجمعه.

ولا يُسمِي المرء في هذا الزمن، دولة من الدول أنها دولةٌ إسلامية حتى تُحكم؛ دولةٌ قد قُطعت، وسميت بعرف أهل الجهالة من المعاصرين بأنها دولة! فهل تسمى دولة في أذهان المسلمين؟ حتى يغلب حكم الإسلام الدولة بشمولها وعمومها؛ مع أن دولة النبي - صلى الله عليه وسلم -، التي أقامها وسميت بدولة الإسلام، إنما هي المدينة؛ والمدينة في عرف فارس والروم، وفي قواعدهم وأحكامهم ودساتيرهم وأعرافهم؛ إنما هي في جزيرةٍ من الصحراء، كان الفارسي والرومي يخجل ويتأنى، من أن يرسل لها حاكمًا.

المدينة هي جزءٌ من الجزيرة العربية، هذه الجزيرة كانت الدول المتصارعة من فارس والروم؛ كانت هذه المدينة لا تُعد شيئا، بل لا تُعد الجزيرة العربية شيئًا!

هي مدينةٌ صغيرة، ربما لا يصل محيطها مائة كيلو متر مربع، في داخل جزيرة كبيرة؛ كانت هذه الجزيرة لا يُستحق لها النظر! ولا تستحق الاعتبار من قِبل كسرويٍ أو رومي؛ ولذلك لم تكن محكومة هذه الجزيرة، من قِبل رجلٍ لا رومي ولا فارسي؛ بل كان العربي في هذه الجزيرة، يعد من أشرف المقامات وأعظم المراتب، هو أن يوفق للوقوف أمام النعمان.

والنعمان إنما هو: وليٌ -أي عبدٌ- من عبيد كسرى!

النعمان حاكم المناذرة، كان وليٌ عبدٌ لكسرى؛ فالعربي في الجزيرة العربية، كان يفتخر أنه دخل قصر النعمان، ووقف على بابه، وسمع كلامه، وأكل من طعامه!

انظروا! هذه الدولة العظيمة! من مدينةٍ صغيرة، في جزيرةٍ -حسب قواعد السياسة في ذلك الزمان- حقيرة، وهي تسمى عندنا الآن ... ، لو ذهبتَ إلى عقلٍ المسلم، وقلت له: المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم-؛ لظن أن المدينة إنما هي من المدن الكبرى العظيمة.

عندما غزت قريش المدينة، استطاع الصحابة في أيامٍ قلائل أن يحفروا حولها خندقًا! فما هي هذه المدينة؟ أين عظمتها؟ أين اتساعها؟ أين امتدادها؟ ولكن هي محط نظر الله -سبحانه وتعالى-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت