هالك، ولا يتنكبها إلا ضال، أما بعد: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا بعيدًا.
الله خالق كل شيء، فمن العرش فما دونه هو مخلوق لله -سبحانه وتعالى-، ومن ميزات خلقه -سبحانه وتعالى- حسن الخَلق، حسَّن خلقه، والحسن ليس هو فقط الجمال -أي جمال المنظر-، ولكن الحسن هو: ملائمة الشيء لما وضع له؛ فلذلك ما خلق الله -عز وجل- من أمور قبيحة إنما هي حسنة من جهة أصل خلقها؛ لأن لها مقصدًا عظيمًا، فالذباب يستقذره الناس ولا يحبونه وهو قبيح لا يأتي إلا بشرٍ على الجملة، ولكنه حسن لأنه خلق من خلق الله ولمقصد الله -عز وجل- فيه، فله مقاصد عظيمة، فمن مقاصده مثلًا: أنه دليل على وجود القبح؛ ليسارع الناس بإزالة القاذورات، فلو لم يوجد الذباب لتجرأ الناس على رمي القاذورات وعدم سترها، فبمجرد وجودها على الأرض يسارع الذباب إليها فوجود الذباب مقصد؛ لإزالة الشر، لإزالة القذر، فكان الذباب خيرًا وحسنًا، وهذا معنى قوله -سبحانه وتعالى-: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} ولم يقل في هذه الآية -جل في علاه-: الذي خلق كل شيء فهدى، ولكن الذي أعطاه خلقه، أي أعطاه صفته المخلوقة وطاقته في حركة هذا المخلوق، أعطاه اليد وخلق فيها القدرة فأعطاه اليد خلقًا وأعطى اليد القدرة، فأعطى كل شيء.
الإنسان شيء أعطاه الأدوات وأعطاه الإرادة وأعطاه القدرة، واليد كذلك خلق أعطاها الله -عز وجل- صفتها وآلتها وهيكلها، وأعطاها القدرة على الإقامة على الشيء الذي خلقها الله -عز وجل- له {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أي: هداه هداية كونية ثم بإرسال الأنبياء هداية شرعية.
الهداية الكونية كالغرائز التي وضعها الله في الخلق؛ ليمارس المخلوق مقصد حياته، فبمجرد أن يخرج أي رضيع من بطن أمه يسارع إلى الثدي، هذا من هدي الله له هداية كونية.
اليد تتحرك، العين تبصر، هداية كونية.
والهداية: هو السير في الطريق الصحيح وفي الطريق المبصر، فأعطى ربنا -سبحانه وتعالى- كل شيء خلقه ثم هدى.
إذ يوحي ربك إلى كل شيء، يوحي الله -عز وجل- إلى كل شيء؛ ليقوم بمقصده وليمارس عمله الصحيح {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} يوحي الله، وهذا من هداية الله -عز وجل- للخلق.