فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 545

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلِلهُ فلا هاديَّ له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن مُحَمَّداً عبده ورسوله وصفيُّه وخليله بَلَّغَ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأُمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين وتركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المَحَجَّة البيضاء والطريق الواضح ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال أما بعد ...

من يُطِع الله ورسوله فقد رَشَد ومن يعصي الله ورسوله فقد ضَلَّ ضلالاً مُبيناً ...

أيها الأحبّة في الله، يقول مولانا جَلَّ في عُلاه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ، فشهر رمضان أنزل الله عزَّ وجل فيه كتابه، وعيَّن في آيةٍ أخرى الليلة العظيمة الجليلة التي افتتح الله عزَّ وجل بها نزول هذا الهُدى العظيم حين قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ? لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ? تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ؛ فشهر رمضان هو شهر القرآن جعله الله عزَّ وجل هُدى بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} ؛ أي أن القرآن هُدى للناس وساق الله سبحانه وتعالى هذا الأمر مساقَ المدح لهذا الشهر وجعل هذا الكلام مقدمةً لذكر أمر الصيام فيه فقال بعد ذلك: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فجعل ذكر ارتباط القرآن بهذا الشهر مقدمةً من أجل بيان أهمية الصيام ومن أجل بيان حكمة ارتباط الصيام بهذا الشهر إذ لم يجعله في شهرٍ آخر، فذكر أن ابتداء نزول القرآن إنما كان في هذا الشهر، والقرآن أيها الإخوة الأحبّة نزل من الله عز وجل كلاماً، تكلم الله عزَّ وجل به كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مَسنَده: أن الله عزَّ وجل إذا تكلم بالقرآن سُمع صلصلة فسجدت الملائكة، فالقرآن تكلم الله عزَّ وجل به وسمعه جبريل عليه السلام من الله سبحانه وتعالى حرفاً، حرفاً وسمعه بصوت الرب، فالربُّ سبحانه و تعالى له صوت كما في الحديث الصحيح:"إن الله تعالى عزَّ وجل ينادي يوم القيامة عبيده بصوتٍ يسمعه من بَعُد كمن يسمعه من قَرُب."] رواه الإمام البخاري في كتاب خلق أفعال العباد] وسَنَدُهُ صحيح.

والقرآن هو حروفٌ تكلم الله عزَّ وجل بحروفه بقوله - صلى الله عليه وسلم:"من قرأ حرفاً من كتاب الله."فكتاب الله حروف وأنتم تقرأونها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، {الم} ، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، أنزله الله عزَّ وجل في هذا الشهر وجعل ابتداء نزوله في ليلةٍ مباركةٍ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وهي ليلة القدر أيها الإخوة الأحبّة، وهي على خلاف بين أهل العلم متى تكون؛ أي هذه الليلة المباركة متى هي، فقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً ليخبر أصحابه عن ليلة القدر وأن يُعَيّنها لهم فوجد أصحابه يدوقون ووجد صحابيَيّن يتحاقّا؛ أي كل واحدٍ منهما يطلب حقه من الآخر، وارتفعت أصوات الرجلين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لقد خرجت لأخبركم عن ليلة القدر، فوجدت رجلين يتحقّان فرُفِعَ عِلمها."أي رُفِعَت ليلة القدر؛ أي رُفِعَ علمها؛ ولذلك اختلف أهل العلم في تعيينها، فجمهور أهل العلم ولورود عدة أحاديث أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، هذا هو قول الجمهور، وقال بعض أهل العلم ومنهم الشافعي - عليه رحمة الله - أنها في ليلة الواحد والعشرين من رمضان، واحتجَّ بالحديث الصحيح والحديث في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أُريتَ صبيحة ليلة القدر، أسجد في ماءٍ وطين." ( ... ) السماء وأنزلت ماءها في ليلة الواحد والعشرين، ثم أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجداً في ماءٍ وطين في يوم الواحد والعشرين من رمضان، وهناك من قال إنها متحركة وغير ثابتة في العشر الأواخر من رمضان، في الحديث الذي تقدَّم أنه عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ورُفِعَت ليلة القدر فتحروها في العشر الأواخر من رمضان."

وفي حديثٍ آخر يُفَصِّلُ ذلك:"التمسوها في الأيام الوتر في العشر الأواخر من رمضان."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت