فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 545

هذه الليلة المباركة التي قال الله عزَّ وجل فيها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} ، ليلةٌ عظيمة القدر، عظيمة الشأن؛ {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} فمن قامها كان له عبادة ألف شهرٍ وأكثر، يقول الله عزَّ وجل: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ? تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}

تَنزٍل ملائكة الله عزَّ وجل وتطوف في الطرقات، ملائكة أخرى لأن لله عزَّ وجل كما في الحديث الصحيح:"إن لله ملائكة سيّارة، تسير في الطرقات تلتمس مجالس الذِكر."، هناك ملائكةٌ أخرى تَنزِلُ في ليلة القدر وتطوف على الناس، على القائمين وتطوف على الذاكرين، وتطوف على المستغفرين، وتطوف على العابدين وعلى المجاهدين تُسَلِّم عليهم، تَنزِلُ ملائكة الله عزَّ وجل و هي ملائكة أخرى غير الملائكة التي تشهد قراءة السَحَر، وهي غير الملائكة التي تشهد صلاة الفجر وقرآن الفجر {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، بل تَنزِلُ ملائكةٌ أخرى تصافح العُبّاد وتصافح الطائعين وتُسَلِّم عليهم؛ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ? لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ? تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ... } والروح هو جبريل - عليه السلام - وفي الحديث الذي قاله - صلى الله عليه وسلم:"اهجهُم وروح القُدس معك."وروح القدس هو جبريل، {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} أي جبريل - عليه السلام - ينزل فيها {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} ، وهي سلام، رحمة، هداية، سلامٌ من الله عزَّ وجل على عبيده حتى مطلع الفجر، {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} أو {مِّن كُلِّ أَمْرٍ ? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ، فكلاهما صحيح، أي إن الليلة تكون حتى مطلع الفجر أو {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ولا تعارض؛ بل هذا من حكمة القرآن وإعجازه.

أيها الإخوة الأحبّة، هذه الليلة على المرء أن يغتنمها والعاقل هو من لم يُضَيِّعُ شأنها، بل عليه أن يغتنم هذه الليلة المباركة، وإذا كان لله عزَّ وجل في كل ليلةٍ من رمضان وفي كل يومٍ من أيام رمضان عُتقاءَ لله من النار، في كل يومٍ لله عزَّ وجل عُتقاءَ يُعتِقهُم الله عزَّ وجل ويُعتِقُ رقابهم من النار، فإن الله عزَّ وجل يُعتِقُ في هذه الليلة كذلك ما لا يُعتِقُ في بقية الشهر، فالعاقل من يغتنم هذه الليلة ومن يغتنم هذا الشهر واليوم الذي يأتي لا يرجع إلى يوم القيامة، كل يومٍ يأتي على الخلق يقول:"أنا يومٌ جديد، على عملك شهيد، فتزود مني قبل أن لا أعود إلى يوم القيامة."اليوم الذي يذهب لا يعود عليك.

في هذه الليلة يُعتِقُ الله عزَّ وجل عبيداً كُثراً من النار، وقيام هذه الليلة يكون بأقل ما فيها لقوله - صلى الله عليه وسلم:"من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل. ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام الليل كله."وكذلك أن يقوم المرء فيها، وقيام رمضان حَسَنٌ في جميعه لقوله - صلى الله عليه وسلم:"من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غَفَرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه."وأعظم القيام هو أن تُصلي مع الإمام حتى ينتهي من صلاته لقوله - صلى الله عليه وسلم:"من قام مع الإمام حتى يَقضي الصلاة كان كقيام ليلة."حين تقوم مع الإمام وتصلي حتى يقضي الإمام، تكون الصلاة كقيام ليلة، ولم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قام ليلةً جميعها، لم يَرِد عنه بل نهى عن ذلك، إنما كان - صلى الله عليه وسلم - يقوم وينام، ومَدَحَ قيام داود - عليه السلام -؛ وقيام داوود يكون ثلث الليل وينام ثلثه ثم يقوم في ثلثه الأخير هذا خير قيام وهذا قيام داود - عليه السلام -.

فعلى المرء أن يغتنم هذه الليلة، وأغلب أهل العلم على أنها في ليلة السابع والعشرين من رمضان، ولها دلائل وردت في السُنّة؛ عائشة - رضي الله عنها - تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سألته ماذا تقول إذا أُريتَ ليلة القدر - إذا رأت ليلة القدر ماذا تقول - فعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تسأل الله العفو والعافية، وكان ابن عبّاس إذا عَلِمَ من ليلة القدر كان يسأل الله عزَّ وجل علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كُلِّ داء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت