فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 545

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلِلهُ فلا هاديَّ له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن مُحَمَّداً عبده ورسوله وصفيُّه وخليله بَلَّغَ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأُمَّة وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين وتركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المَحَجَّة البيضاء والطريق الواضح ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال أما بعد ... من يُطِع الله ورسوله فقد رَشَد ومن يعصي الله ورسوله فقد ضَلَّ ضلالاً مُبيناً ...

أيها الأحبّة في الله، هذا شهرٌ عظيمٌ مُبارك أنزل الله عزَّ وجل فيه القرآن، وجعل فيه عبادةً هي من أركان هذا الدين ألا وهي «الصيام» ؛ فشهر رمضان أنزل الله عزَّ وجل فيه القرآن من أجل أن يرتبط أمر هذا الشهر بكتابه سبحانه وتعالى وبآياته وبكلامه ومن أجل أن يرتبط هذا الشهر في أذهان المسلمين بعظيم العبادة فيه بالتقرُّبِ إلى الله سبحانه وتعالى، ورمضان أيها الأخوة الأحبّة مُباركته حصلت من يوم خلقه، منذ أن خلق الله عزَّ وجل الشهور اختصَّ الله عزَّ وجل هذا الشهر بحصول البركة فيه، ولما كان مُباركاً في ذاته بخلق الله عزَّ وجل له مُباركاً حصلت فيه من الأوامر الشرعية التي تتناسب مع عظمته وتتناسب مع بركته؛ فالعبادات في ديننا أيها الأخوة الأحبة إما أن تكون بدنية وإما أن تكون مالية وإما أن تكون العبادة جامعة للعبادة البدنية والمالية كما هو شأن الحج، وأما الصيام فهو عبادة بدنية ... الله سبحانه وتعالى امتحن بهذا الصيام خلقه وعبيده بأن منعهم من الأكل والشرب والجِماع منذ طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، مَنَعَ الله عبيده من الأكل والشرب والجِماع وهذه هي المُفَطِّرات المُجمَع عليها في ديننا وفي شريعتنا، وكذلك جعل الله عزَّ وجل فيه أعمالاً جليلة أولها كما قلنا الصيام؛ أن ينوي المرء الصيام لله سبحانه وتعالى، وهناك عباداتٌ يحتويها هذا الشهر العظيم يَتَمَيَّزُ بها عن غيره وذلك بكثرة قراءة القرآن وبكثرة الصَدَقات وبكثرة صِلات المسلمين بعضهم لبعض، وصِلات الأقارب وصِلات الإخوان، فهذا الشهر بهذا يَتَمَيَّز ...

ثم ما جعل الله عزَّ وجل فيه من ليلةٍ هي من خير ليالي الدهر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ? وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ? لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ? تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ."فقيام رمضان يختصُّ بالأجر عن بقية قيام ليالي السَنة وليالي الدهر لما فَعلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بأن خرج يوماً فصلى بعد العشاء وصلى جماعةً معه ثم خرج في اليوم الثاني فصلى جماعةً معه، جاءت الروايات أنه إما أنه خرج في اليوم الثالث أو الليلة الثالثة أو لم يخرج واقتصر على يومين فتزاحم الناس لما سمعوا من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بصَلاته بأصحابه لكنه لم يخرج إما في الثالث لم يخرج أو في اليوم الرابع لتعدد الروايات في هذا الأمر واضطرابها وعدم الترجيح فيها فَتَعَجَبَّ الصحابة - رضي الله عنهم - من عدم خروجه للصلاة بهم، فخرج إليهم في صبيحة اليوم الذي تلا عدم الخروج وقال لهم:"لعلكم عجبتم من عدم خروجي لكم، إني خشيت أن تُفرَض عليكم."ثم ذكر أني خرجت لكم في اليوم كذا وكذا فلما تكاثرتم فإني خشيت أن تُفرَض عليكم، ولكن هذه الخشية أيها الأخوة الأحبة قد زادت بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا فرض يُفرَض بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فالشرع قد كَمُل، والشريعة قد تَمَّت ولا تغيير لدين الله عزَّ وجل بأن يتحول شيءٌ مسنون إلى فريضة، أو شيءٌ حلال إلى حرام، أو يتحول شيءٌ حرام إلى الحلال؛ هذا قد انتهى بقوله عزَّ وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا} ، فقد انتهت الشريعة ورُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصحف، فالفرض الذي تركنا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو فرضٌ إلى يوم القيامة والمُستَحَبُّ الذي تركنا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو مستحبٌ إلى يوم القيامة، والحرام الذي تركنا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو حرامٌ إلى يوم القيامة، ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه."وهذا هو شأن التكليف أيها الأخوة، تكليفٌ بأنه فتنةٌ للعَبد من أجل الإمتثال وفي هذه الفتنة أو التكليف عظيمُ الأجر من الله سبحانه وتعالى وكذلك ما شُرِعَ في هذا الشهر العظيم من صدقة الفطر في آخره طُهرَةً للصائم؛ تطهيراً له مما يعلق في صيامه من إثم، وصِلةً للمساكين، وصَدَقَةً على المساكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت