فهرس الكتاب
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... تراصّوا أيها الأخوة الأحبّة؛ تراصّوا ليدخل من في الخارج ...
أيها الأخوة الأحبّة، إن من أقل الواجب علينا أن ننصر إخواننا بالدعاء وأن نَمُدَّهُم بالمال ما احتاجوا إليه، وأن نَمُدَّهُم بالرجال ما احتاجوا إليهم، يجب علينا أن نشعر بآلام إخواننا ليكون لنا وصف الأُمَّة، وصف الأُمَّة التي وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى."أين هذا؟ هناك نارٌ لا حُمّى، لا شكوى؛ هناك نارٌ تشتعل، هناك نساءٌ تموت وأطفالٌ يموتون، هناك عذاب ولكن الأوصال مُقَطَّعة والناس نيام، غَفَلَة، وربما الواحد منهم مشغولٌ بشهوته، مشغولٌ بهَمّه، مشغولٌ بقضاياه، مشغولٌ بذاته، ولا يسمع أخبارهم ولا يعرف أحوالهم، بل إننا وجدنا بعض المُلتحين وللأسف من يجلدهم، من يشارك في وضع النار عليهم، ويقول:"لماذا دخلوا إلى داغستان فأجلبوا على أنفسهم هذه الفتنة؟"وما دروا وما عرفوا وهم يُرددون ما يقوله الغرب وما تقوله الصحافة، يا له من ببغاء، عَقلُهُ في أُذَنيّه، وهكذا صار شأن المسلم كالطبل إنما يَنعَق ويصرخ ما يُضرَب عليه من قِبَل أعدائه؛ صَدَقَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"غثاء كغثاء السيل."
هل تعلم أيها الأخ الحبيب أنه كان هناك منطقتان في داغستان يُحكَمان بالشرع وبالدين وبأحكام الشرع، وكتبوا اليافطة على مقدمة المنطقتين: «ممنوع دخول الروس في داغستان» ، وكانوا يحكمون بالشريعة ويُعَلِّمون الدين، والدعوة قد انتشرت انتشاراً حسناً فما كان من روسيا إلا أن هجمت على هاتين المنطقتين وطوقتهما فاستنجد علماء تلك البلدتين بالإخوة هناك والواجب عليهم، كان ذنبهم أنهم أصحاب حميّة، كان ذنبهم أنهم في قلوبهم بقايا إيمان وهذا ذنبٌ في هذا الزمان، هذا ذنبٌ وعار، نعم، المسلم في هذه الأيام يجد آلاف المعاذير من أجل ألا يُنجِدَ أخيه.
لو وقع بلاءٌ الآن هنا في هذا البلد لوجدت أصحاب التنظيمات قال:"لا لن أتدخل لئلا يُكشَف."واحد:"للسرية."وواحد:"لئلا يُكشَف التنظيم."وواحد:"لئلا يذهب ليلةً في السجن."
نعم، يترك الواحد أخاه في وسط العذاب حتى لا يدخل ليلةً في السجن، وتجد باب المصالح الذي فتحه أصحاب العمائم على غير هُدى الشرع وعلى غير مقررات الدين، هذا بابٌ يستطيع الناس أن يخوضوا فيه وأن يتكلم فيه البخلاء بحُجّة المصلحة، وأن يتكلم فيه الجُبناء بدليل المصلحة، وأن يتكلم فيه أهل الخور وأهل الكُفر والزندقة، كلهم تحت باب المصلحة ... فكان ذنب الإخوة أنهم قاموا حَميَّةً لدينهم، فانتصروا لهاتين البلدتين وكان البلاء عظيماً وكانت الفتنة شديدة، فما عليك إلا أن تتقي ربك وأن تدعي لهم، وإن خالفت أخاك في النظرة في أول الباب، لكن في وسط المعركة وفي معمعتها لا تجلس خواراً جباناً لتنقده:"نعم، قد قلت لك.""قد نصحتك من قبل.""قد قلت لك.""قد أحكمت لك النصيحة."لا تدخل في هذا الباب كما هو شأن جماعات الخذلان والعمل السياسي المُنبطح الذين اعتادوا الوقوف بوجوههم على حيطان وزارات العدل والداخلية، اعتادوا هذه الوقفات عندما قام بعضهم جاهلاً بدين الله عزَّ وجل وطالت عليه مدة العناء فلم يصبر حتى يأتي وعد الله إما بالموت وإما بالنصر، والموت في هذا الزمان أقرب من النصر، فأعلنوا الهدنة جهلاً بدين الله وقلة صبر وتغييراً لما علموا من الحق بأن صارت لهم أحزاب يطلبون الدخول في الأحزاب في مصر، فلما صنعوا هذا الصنيع ماذا جاء أهل الفتنة وخطباء الشر وسَحَرَةُ فرعون قالوا لهم:"قلنا لكم؛ إن طريق القتال والعنف - كما يسمون الجهاد - إنه طريق قصير، إنه طريق لا يؤدي إلى المُراد."