لكن بعضهم قال: هذه دار حرب، هذه ديار كفر وقد أجاز أبو حنيفة -عليه رحمة الله- الربا في دار الكفر، فإذن أنت جعلتها دار كفر وحرب وأتبعتها بالأحكام، فلماذا التلعب بدين الله؟ يومًا بغزوة، وبالعقيق يومًا، ويومًا بالخليصاء، ويومًا تنتحي نجدًا وآونة تتلعب بدين الله!
إما أن تجعلها ديار كفر فتلزمها بالأحكام، وإما أن تجعلها دار إسلام فتلزمها بأحكامها، وإما أن تجعلها دار دعوة فتجعل نفسك ربًا وإلهًا جديدًا على البشر يشرع لهم أسماءً وأحكامًا جديدة، فهذا باب شر وهو يتعلق بـ: ما هي الدولة؟ وما هو الحكم؟ ومتى يجوز في ديننا أن نقول عن دولة أنها دولة إسلامية؟ ومتى يجوز في ديننا أن نطلق على دولة أنها دولة كافرة؟ ويترتب على هذا معرفتنا بالطريقة الصحيحة وهي الطريقة النبوية لإقامة دولة الإسلام.
أيها الإخوة، إن من فضل الله -عز وجل- علينا أن حفظ لنا القرآن، والقرآن هو على ما فيه من حق كبير فإن فيه حقًا كذلك من فضل الله وهو حفظه لهذه اللغة، ثم هذا القرآن محتاج إلى غيره وهو الذي عناه بعض الأئمة حين قالوا أن السنة قاضية على القرآن!
"السنة قاضية"أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة، وقال:"السنة شارحة"ولكن القرآن بحاجة إلى السنة؛ لأن ألفاظه بحاجة إلى ما قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفسيرًا لهذا القرآن، فما أتى به رسول الله من السنة هو شرح عملي ولفظي لألفاظ القرآن العربية {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} .
فالسنة النبوية والاعتناء بها هو واجب شرعي؛ من أجل بقاء القرآن سليمًا من التحريف، ومن هنا ما قدمنا من مقدمات يدلنا دلالة واضحة على تلك الهجمة الشديدة التي شنت في أوائل هذا القرن على اللغة العربية، كانت الهجمة شديدة في داخل المعاهد والجامعات والمؤسسات على اللغة العربية، على لغة القرآن؛ لأنها إن أزيلت، أزيلت الشريعة، أزيل دين الله -عز وجل- من الوجود؛ لأن اللغة العربية هي وعاء الدين فإذا الوعاء قد نُخر وزال فقد أتت الأرضة والأكلة على ما في داخلها فانتثرت وبادت.
ومن هنا كذلك أن أول ما قام به مصطفى كمال أتاتورك هو أنه منع كتابة اللغة التركية بالأحرف العربية، بل إنه منع الأذان باللغة العربية! وهذه الهجمات تفسر ما قام به رجال النصارى في بلادنا وأغلب أصحاب الدعوة نصارى، ثم بعض أبناء المسلمين الذين تشربوا هذا الكفر في قلوبهم حين دعوا إلى بعض ما دعوا إليه من أن تُعتمد العامية كلغة بين الناس، فإذا اعتُمدت فالجزائري لن يفهم القرآن، وأنا لن أفهم الجزائري ولن يفهمني الجزائري، والمغربي لن يفهم المشرقي وهكذا، فانتثرت الأمة، فدعوا إلى اللغة العامية، وبعضهم دعا إلى كتابة اللغة بالحروف اللاتينية، وبعضهم دعا أن نأخذ الغرب بما فيه من عجره وبجره؛ ولذلك إن من علامات النفاق التي ذكرها العلماء هو محبة لغة