الأعاجم وتفضيلها على اللغة العربية، لا لقداسة أهلها، ولا لأن أهلها هم خير من العجم! لا، نعوذ بالله من هذه العصبية، بل لأن اللغة هي وعاء هذا الدين، ولا يجوز للمرء أن يكون جاهلًا بدين الله -عز وجل-، لا يجوز له.
فبالنتيجة يجب عليه أن يتعلم العربية؛ حتى يتعلم الإسلام؛ ولذلك عامة البدع ... -وهذه نقطة مهمة- عامة البدع التي نشأت في ديننا إنما نشأت بسبب العجمة، وعامة البدع التي نشأت في تاريخنا إنما أنشأها الأعاجم، وإن من عُمُد أهل البدع في هذا الوقت أنهم يجنبون دعوتهم العرب؛ لأنهم يفهمون شيئًا من دين الله، ويتوجهون بدعوتهم إلى الأعاجم، فالعجمي لو رقصت له وقلت له: هكذا يقول القرآن. لا يستطيع أن يقول لك: لا، لا يقول القرآن هذا. لأنه لا يفهم ما في القرآن.
لكن لو قلت للعربي فهو لا يجد كلمة الرقص في القرآن ولو بحروفها ولو برصفها؛ فلذلك عامة البدع تنشأ مع الأعاجم، وعامة أهل البدع يتنكبون دعوة العرب على ما فيهم من جهل وضلال ولكنهم يسارعون إلى جمع أهل البدع في الأعاجم؛ لأنهم عندهم القبول ويستطيعوا أن يكونوا صدى وأبواق لما يلقى إليهم، وتلك طامة كبيرة ومفسدة عظيمة.
فيجب على المرء أن يعرض دعوته على أهلها ليتميز بصدقه أو بكذبه، بسنيته أو بضلاله، حينئذ يُعرف مَن أهله، وهذه قضية قد تبدو لكم ليست منطقية في الطرح، لكن لو عدتم إلى كلام هرقل عندما سأل أبا سفيان: من يتبعونه؟ عندما أراد هرقل أن يتوثق من صدق نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمما سأله عن أوصاف الداخلين في دعوته سأل عن أوصافهم، قال: فمن يتبعونه؟ الفقراء أم الأغنياء؟ قال: عامتهم من الفقراء.
فإذن لا بد أن نعرف وصف الداخلين في الدعوة وميزاتهم؛ لنعرف كذلك صدق الدعوة من عدمها!
نعم، هي إحدى مناهج البحث عن الحق، وسنفرغ -إن شاء الله- لمجموعة خطب نبين فيها كيف يعرف الحق، ومنها هذه النقطة أن تعرف من الداخلين لهذه الدعوة؟ من أهلها؟ من رجالهم؟ وهذا لا يناقض قول علي -رضي الله عنه-:"يُعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال"هذا ميزان زائد عن معرفة دراسة الحق بنفسه، ولكن هناك قرائن تساعد في معرفة الحق وذلك بمعرفة الداخلين فيه.
علي -رضي الله عنه- أرسل رسولًا إلى معاوية؛ من أجل أن يفاوضه فمما ذُكر في كتب التاريخ -والله أعلم بصحتها- أن معاوية أراد أن يعرفه رجاله، من الذين يقاتلون معه؟ علي تبعه أناس جهلة