من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا.
أيها الأحبة؛ كان من قدر الله -سبحانه وتعالى- وهو قدر وافقه الشرع وأتى على مِنْواله أن يُقيم الله -سبحانه وتعالى- أركان الأشياء في هذه الحياة على زوجين؛ ليس من قبيل الزوجين المتضادَّين ولكنه من قبيل الزوجين الذي يُكمِّل كل زوج منهما الآخر؛ فالبيت لا بد من ذكر وأنثى، وكذلك ما تعلمون من كل الحياة. هذه الزوجية ينبغي أن نفهمها عندما نريد أن ندرس دين الله -سبحانه وتعالى- دراسة صحيحة، والقصد من هذا أنه لا يمكن أن ينتج إسلام أو مسلم رباني ولا يمكن أن ينتج مسلم عابد لربه تمام العبودية إلا على شيئين اثنين، لا يمكن أن يقوم أحدهما دون الآخر وإذا وُجد واحد منهما دون الآخر سيقع الفساد والعَطَب، كالطائر الذي يُكسر له أحد الجناحين، أو كالرَّجل الذي تُكسر له أحد الرِّجلين فسيكون أعرج في مشيه أعرج في حياته، هذان الزوجان هما الشرع والعقل.
لا يمكن للشرع وحده أن يُنتج مسلمًا متعبِّدًا لربه، فقد تأتي الآيات العظيمة والأحاديث الشريفة على رجل مختلِّ العقل بليد الفهم جاهلٍ بالنظر إلى عواقب الأمور لا يقدِّر الأمور تقديرًا صحيحًا، فيكون فهمه للشرع -لا الشرع بذاته ولكن بعد أن يجري عقله على الشرع- فسيكون المنتَج من هذا الإجراء ومن هذه العملية مُفسِدًا لهذا الإنسان، مدمِّرًا لسلوكه قاضيًا على حياته. وكذا لو كان المرء عاقلًا لبيبًا ذكيًا فطنًا مُستبصِرًا لمَّاحًا ولم يأتِ إليه الشرع الإلهي ليستخدم هذه الفِطنة وهذا الذكاء وهذه الأَلمعيَّة على وجهها الصحيح، فسيكون هذا الإنسان كذلك مفسدًا لنفسه وللحياة، ولن يصل إلى تمام العبودية لرب العالمين.
والعُبودية -يا قوم- هي ذلك الإنسان المتوازن الذي يصل إلى مُبتغاه في هذه الدنيا بلا شرور، ويحصِّل أهدافه السامية في هذه الدنيا بأقصر الطرق، ثم هو بعد ذلك يحصِّل الآخرة من غير مشقة، فهو إنسان متوازن يسير في دروب الحياة مع المُتعارِضات ومع الموانع التي تقف أمامه، يصل إلى أهدافه وإن تعطَّلت بسبب عجزه فلن يكون نهاية ما وصل إليه من منتصف الطريق أو من رُبعه، يصل إلى خيرٍ لا يصل إلى شر.
فعندما يفقد المرء العقل، وعندما يفقد المرء الشرع، فإنه يصبح هذا الإنسان الشاذّ المعطَّل المنحرف، الذي سمّاه الله -سبحانه وتعالى-:"الكَلْ"؛ {كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} ، وكما وصف أحد السلف ملوك زمانه قال:"فَقَدِ ملوكنا شيئين؛ فقدوا عقول أهل الجاهلية وفقدوا دين أهل الإسلام أو إيمان أهل الإسلام".
فعندما يفقد المرء عقله فالشرع لا ينفعه؛ لأنه سيستخدم الشرع لأهوائه وشهواته، ودين الله -سبحانه وتعالى- متوازن فيه الحكمة في باب وفيه الشِّدة في باب، فيه الكلمة الطيبة في باب وفي الكلمة الغليظة في باب، فيه الإحسان وفيه الانتقام، فيه العفو، فيه العدل، فيه الرحمة؛ لأن الشرع مُشتَقُّ من أسماء الله -سبحانه وتعالى-، والله -سبحانه وتعالى- رحيم، وكذلك منتقم، ففي الشرع كذلك ما هو يجري مجرى الرحمة وما يجري مجرى الانتقام، والله -عز وجل- غفور، والله -سبحانه وتعالى- عادل الذي يوجِب