فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 545

القصاص إذ العدل يوجب القصاص، فكذلك في الشرع ما هو باب عظيم من أبواب القصاص القائم على العدل، وفيه كذلك أبواب عظيمة مبنية على الرحمة التي مبناها على العفو وعلى المغفرة.

فعندما يأتي هذا الشرع المتعارِض في وصفه الكليّ، المنسجم عند إنزاله على أحداثه الواحدة المعيَّنة، عندما يقع هذا الشرع على العقل الفاسد وعلى العقل الذي قد اختلطت لديه المفاهيم فإنه سيستخدم الشرع على وجه باطل، فسيضع الرحمة موضع العقوبة وسيضع العقوبة موضع الرحمة، فيضع الكلمة القاسية في موضع الرحمة والعفو والدعوة بالإحسان والموعظة والحكمة الحسنة، وسيضع كذلك الكلمة التي ينبغي أن توجَّه بالحكمة والموعظة الحسنة فيضعها موضع العقوبة؛ وهذا كله لا بسبب خطأ الشرع ولكن لأن عقل المرء لا وجود له فهو يفقد الاتجاهات لا يعرف {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} ، وانظروا إلى قوله جلَّ في عُلاه: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ} والموجِّه يعطيه المسيرة؛ أي يُبيِّن له الطريق الذي سيسلكه، والموجِّه كذلك يهديه ويبيِّن له كذلك عمله في هذه الطريق، ولكنه لن يكون مصاحبًا له في كل عين من أعيان الأحداث وفي كل حدث من أحداث المسيرة، فإنما هو سيأخذ هذه الأوامر وسينظر فيما يَقدُم عليه من أحداث في هذه الطريق فيتعامل مع هذه التوجيهات التي أعطاها إياه الموجه ويتعامل مع الحدث الحاضر لديه، ومع ذلك -مع وجود الطريق الذي وُجِّه إليه ومع وجود الأوامر العامة والهادية لما سيقوم به في هذه الطريق- ومع ذلك ترسله لإحضار رحمة فيحضر لك العقاب، وترسله لإحضار العقاب فيأتي لك بالرحمة! {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} .

ما سبب هذا؟ أنه لا عقل لديه، وإذا فقد الجانب الآخر -وهو جانب الشرع- فهو يدرك الأمور على حقيقتها، ولكنه لا يدري ما هو الملائم لها في شرع الله -عز وجل- فيتخبَّط، ويتعامل من جهة عقله، وليس من جهة عقله فقط؛ لأن الإنسان ليس بالعقل وحده يحيا إنما له الهوى وله العاطفة وله الشعور وله المحبة وله الغضب، له ما يحب وما يكره، فستطغى هذه الأمور على فهمه الصحيح فيختلُّ لديه العمل فلا يأتي بخير، {كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} .

فيا أيها الأحبة، عندما يفقد المرء العقل وعندما يفقد المرء الشرع يصبح هذا الإنسان الشاذ الذي لا يأتِ بخير، وعندما قال هذا السلفي هذا العالم الرباني أن لأهل الجاهلية عقلًا استدلّ على أنه يمكن للمسلم أن لا يكون له عقل، كما قال ابن تيمية بجواز اجتماع الدولة المسلمة مع الظلم كما أنه يجتمع الإسلام مع عدم العقل، أي مكن أن يكون المرء مسلمًا ولا عقل له، ويمكن أن يكون عاقلًا -كحال أهل الجاهلية- ولا إسلام عندهم، ولكن السؤال كيف يُنتَج الشرع في عقل المرء وكيف ينتج العقل في ذات المرء؟

أيها الإخوة الأحبة، إن الطريق الأول أن يكتشف المرء نفسه، فمن احتاج إلى أن يُعرِّفه الناس بنفسه وأن يكشفوا له ذاته في كل صغيرة وكبيرة هذا رجل ميؤوس منه، فبداية الطريق لنا، نحن لا نتحدث عن أغيار لا نتحدث عن كافرين لا نتحدث عن غير من يسمع إنما نتحدث مع أنفسنا؛ مع أهل الإسلام ومن يبتغي الحق، هل اكتشف المرء ميزانًا يقيس فيه عقله؟ وقيل قديمًا: لما قَسَم الله الرزق القليل من قبل واعترض الكثير على هذه القسمة، لكن لما قسم الله العقل رضي كل امرئ بعقله وظن أن عقله هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت