فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 545

منتهى العقول وهو الجامع لكل عقول البشر، وهذا هو منتهى الانحراف في اكتشافه لنفسه ومقدار فهمه لذاته. فكيف ينتج العقل؟ كيف كان العقل ينتج عند أهل الجاهلية؟

لو قرأنا سيرة أهل الجاهلية لنرى ما هي الطريقة التي كانت تنتج عقولًا لأفرادها، عقولًا تخرج منهم الحِكَم، تقرأ لهم القصائد المليئة بالعِظات والعِبر، والمليئة بالحِكَم، كانت لهم الحكم العظيمة، وكانت لهم القضاة، إنّ أول أمر يجب أن يفرض نفسه في أي مجتمع لا بد أن يكون فيه العقل أن يكون هناك مثال، وهذا المثال لا يُقصَد به الرمزية التي تُحتَذى فقط ولكن يقصد به القائد الذي يجب أن يطيعه الناس، بهذا عندما ينتج المرء أو يعيش في داخل مجتمع يتعامل مع قواعد من أعظم قواعده هو وجود قائد، إذا تكلّم احترمه الناس، وإذا قضى سار الناس بحكمه وقضائه، فإنه ينتج المرء متعلِّمًا مُجبِرًا نفسه أن يستمع.

وهذه قضية المراقبة الذاتية مفروضة من خلال عُرف المجتمع، والأعراف معروفة لدى كل العقول أنها أقوى من كل القوانين، فعندما ينشأ الفرد الصغير على نظام يعيش فيه وعلى وجود كبير لهم، قائد عشيرة له سلطة عظيمة في تقرير الأمور، فيتعلم هذا الإنسان على ما يسمى بالانضباط والطاعة وعدم الانفلات.

المجتمع الذي تنفلت فيه القيود هذه السلطة هو مجتمع يُنشِئ عاهات من البشر، أنا وأنتم ثماره ونراه على أرض الواقع؛ لأنه حين يتكلم لا يمكن لأحد أن يردَّه. فلو جاء كبير أو جاء عالم أو جاء رجل حكيم فتكلم معه فينبغي أن يتنازل بسبب سطوة هذا العُرف، وسطوة هذا القانون الداخلي المفروض أن ينقاد لرأيه، فيحبس هواه ويحبس شهوته ويُمضي هذا القول، ويُمضي هذا الحكم ويُمضي هذه الحكمة، فيتعوَّد على الانضباط الذي يكبح شدة شهوته في شبابه أو شدة نَزَقه في كِبر سنه.

هذا المجتمع هو مجتمع سليم يُعلِّم كيف ينتج العقل؛ لأن العقل مشتق من معناه، يقال: عَقَلتُ الدابة أي ربطتها، منعتها أن تتحرك كما تريد؛ عندما تكون الدابة منفلته لا عقل لها فإنها تتحرك بحسب ما تبصر وما تشعر من شعور بَهيميّ حيواني يتلاءم من كونها دابة، فهي تنفلت لا تتقيّد بإسار البيت التي هي فيه، ولا تتقيَّد بأمر، لا عقل لها.

فالعقل معناه هو الضبط، هو الربط، فإسار أو إظهار منشأ وجود العقل أولًا هو مُجتَمع موجود فيه على أي شكل من الأشكال وجود هذا الانضباط الذي يُحدِّد هوى الشخص ويحدد مسيرة الشخص، وكل من البشر فرعون يريد أن يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، هذا هو منتهى الهوى وهذا هو منتهى الشهوة، فمن الذي يضبطه؟ يضبطه وجود المجتمع الذي فيه الضوابط من وجوده هذه القيادة. ومن هنا فإن المجتمع أو البيئة أو أي مجتمع فهو إن صغر أو كبر، تجمُّع لا قيادة له تفرض نفسها وسلطانها نِتاج هؤلاء الأفراد، نتاج هؤلاء الناس، نتاج حركات البشر هي حركات بهيميّة شهوانيّة.

أنا لا أريد أن أتكلم كيف ينتج الشرع لأنكم تعلمون (إنما العلم بالتَّعلُّم) ، وإن صرتم وصرتُ وصار الشباب المسلم يؤمن أن الفتح الرباني بمجرد أنه مسلم قادر على أن يحلّ أعظم المشاكل، هذا موجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت