عندكم، موجود عند الشباب، يشعر أنه ليس بحاجة أن يتعلم شيئًا بل هو بمجرد أن صار مسلمًا وفهم شيئًا من الدين فإنه يستطيع أن يقرر عظائم الأمور، وأن يقرِّر أخطر القضايا ويحلّ ويحرِّم بحسب"روح الشرع كما يزعمون! ألا رحمةً لأوقات علمائنا التي بذلوها من أجل أن يُفتوا في مسألة في الطهارة وما كان الأمر إلا سهلًا كما هو عندي وعندكم، أن يستطيع الواحد منا أن يقرِّر أعظم الفتاوى بمجرد أنه صار مسلمًا يفكِّر بعقله بطريقة خاصة، (وإنما العلم بالتعلم) هذه لا وجود لها في حياتنا والدليل أنا وأنت."
أما كيف ينتج العقل؟ فالعقل كذلك إنتاج، ليس هو فقط فطرة تنشأ مع الطفل من مولده، لكنها تربية، كيف يصبح هذا المرء عاقلًا؟ لا بد أنه تربَّى على أن يكون لديه عقل، لا تربى على أن يكون لديه أخلاق فهذه مسألة أخرى وعالية (وإنما بعثت لأتمم مراتب ومنازل ومكارم الأخلاق) ، ولكنّ العقل أولًا هو الذي يستطيع أن يتعامل مع البشر. كيف ينتج العقل؟ أولًا لا بد من مجتمع له قانون، وعامة شباب الإسلام من الشُّذوذ الذي عاشوا فيه اليوم نشأوا -بفضل الله- على الكفر بقوانين أي مجتمع عاشوا فيه؛ لأنهم أدركوا أن هذه القوانين هي قوانين جاهلية وباطلة وهذه مرتبة عظيمة، ولكنه لم يدخل في الهدى، لم يدخل في ضبط الشرع ولا في موازين أهل الإسلام، بل بقي منفردًا مُنفلِتًا، لا منفردًا بل منفلتًا كالدابة العَقُور يتحرّك من خلال سُعره وسُعاره وهواه وشهوته، يتحرك من خلال هذه الأمور.
ولذلك أيها الإخوة عندما ترون في مجتمعات شباب الإسلام لا عقل، فسببه أنه لا يضبطون ولا يوجد سلطة تقرر لهم فيحترمونها، والناس قديمًا في مجتمعاتهم يقولون حتى في أمثال أهل مصر"اللي ما إله كبير يشتريلو كبير"لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تسلم حياته إلا بوجود هذا الضابط، في مثل بيئاتنا هذه انفلات الشخص بأن يتحرك كما يريد، وهذا يعده المرء من تمام العقلانية ومن تمام الحرية ومن تمام البطولة،"أنا رجل مستقل، أنا لا يوجد لأحد علي سلطة"؛ معنى هذا أنه صار كلبًا عقورًا، عندما ينطق بمثل هذه العبارات، أو لا ينطق بها ولكنه يمارسها، لا يوجد لأحد عليه سلطة بمعنى أنه قد انفلت من عقله فصار كلبًا عقورًا يتحرك من خلال هواه ومن خلال شهوته.
وهذا هو الواقع، أنا لا أتحدث عن مُثُل ولكني أتحدث عن واقع نعيشه، والكلب العقور لا يفرق بين التمرة والجمرة، لا يفرق بين الصديق عقور يعقر صاحبه قبل عدوه، فبعد أن انتهى شبابنا من عَقْر كل أعداء الإسلام -لأنه عقور وكان يعقرهم لأنه عقور لا بسبب هوى الدين ولا بسبب شهوته- صار يعقر إخوانه، ويضرب بأنيابه ويفرز سمّ لعابه، الكلب صار يفرزه في إخوانه لأنه لا ضابط له، ولا يوجد مثل مشقة فلتان هذا العقل وعدم انضباطه لأنه لا حبل له ولا عقل -الحبل هو العقل-، فابحثوا عن هذا الكلب، أيّ رجل يريده أن يقبض على عقله من أجل أن يوقف سمه وأن يوقف ضلاله وأن يوقف عقره لإخوانه فلا تجد أحدًا يقبض عليه، وهذه هي علَّة الأمر وفساد الأمر فيما بين الناس هو الذي نعيشه.
فالبيئة التي يعيشها شباب الإسلام من الانفلات من قوانين الجاهلية وهذه عظيمة، وعدم دخولهم في عقل أهل الإسلام وربطهم، صار شباب أهل الإسلام يَعقِر بعضهم بعضًا، ويفتن بعضهم بعضًا، ويسيء بعضهم إلى بعض. وإذا جاء عاقل ليقول:"أَسْكِتوا سفيهكم"، فلا يوجد أحد يستطيع أن يبحث له عن هذا