فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 545

الرجل الكبير وعن هذا العقل المدبِّر الذي يستطيع أن يُوقِف هذا السُّعار المنفلت من هذا المجنون الملتحي، المسلم المجنون الذي لا عقل له.

إذًا أول إنتاج العقل هي تلك البيئة التي تعلم وجود العقل، أن يربطه وأن يقيد حركته، والإنسان هذا الرجل الكبير العاقل ينظر إلى مصلحة الكل، ولكن هذا الإنسان المنفلت من العَصْفُوريّة -أي من مستشفى المجانين- هذا الإنسان لا ينظر إلا إلى مصلحة نفسه، ولا يقدِّر الأمور إلا من خلال ذاته فتنفلت الأمور، فحينئذ يصبح مجتمع الغاب كل له عقله، كل له هواه، كل له شهوته، وهذه الدنيا ستتضاعف.

إذًا أول مُنتَج أو أول بيئة أو أول شرط لإنتاج العقل هو وجود المجتمع الذي له الضوابط.

ثانيًا؛ لا بد حتى يكون هناك عقل أن يكون هناك مِثال للتجربة، وأقصد من هذا أن يقدّم ذلك الإنسان الذي مارس الحيا ورأى التجارب ولَذَعته الحياة بأَكْويَة من نار فهو في كل تجربة عاشها قد اكتوى نارًا، فبعد أن اكتمل عقله في كبره صار هاديًا، وهذه النقطة داخلة في النقطة الأولى ولكن لها انفِرادًا مهمّا وهو وجود المثال، هذا الإنسان المجرِّب الذي يعلِّم. كان أهل الجاهلية الكبير يعلم الصغير، كم حفظت لنا كتب التاريخ من تلك الاجتماعات؛ أن يجتمع الكبير مع أبنائه فيعلمهم ويقول لهم حكمة ما فتسري بهم ويهتدوا بها، يعلمهم ويلقّنهم إياها، فيتلافظ الناس والأجيال هذه الحكم فتصنع مجتمعًا سليمًا، إذًا لا بد من وجود الإنسان المجرِّب.

وعامة المجتمع الإسلامي الذي نعيش فيه هو شباب لا مِثال لهم، لا كبير لهم يهدي لهم التجارب، المرء بدون عقل وبدون تجربة ينظر إلى قوّته ولا ينظر من خلال فهمه الكامل إلى ماذا سيقع من المقابِل، وهو الذي يسمى حتى عند الدول بـ"الرَّدع"؛ يعني عندما يأتي الشاب وينظر إلى قوته فهو يقرر القضية من خلال قوته. لو كان صاحب مال يقرر من خلال فهمه، لو أراد أن يشتري شيئًا فهو ينظر إلى الشيء وينظر إلى المال ولا ينظر إلى الشيء المحيط به؛ لأنه إنسان قاصر النظر لا تجربة لديه. وإذا تخاصم مع إنسان وأرد أن يفتح شرًّا عليه فهو ينظر إلى مقدار قوته في إحداثه للأذى إلى خصمه ولكنه لا يفكر بنتائج هذا الأمر باعتبار المآل؛ لأن هذه لا تُدرَّس في المدارس، هذه تنتج من خلال التجربة والخبرة والمعاملة ومُعاطات الحياة. فهو لا ينظر إلى الردع، هو ينظر إلى قوته، إلى مقدار عطائه. هذا مثال إلى ضرورة وجود الرجل المجرِّب في مجتمع يُعلِّم الناس ويبين لهم.

( ... ) البأس في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عمر -رضي الله عنه- تعلمونه ما من مشكلة تقع في قضية إلا ويُشهر سيفه، فمن الذي يرد السيف؟ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،"دعني أضرب عنقه يا رسول الله، هذا منافق"هذه ألفاظه في مجتمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن كم مرة فعلها عمر عملًا في زمن خلافته؟ لا يُذكر أبدًا، نعم كان يحمل الدرة -رضي الله عنه- فيؤدِّب هذا وهذا، ولكن"دعني أضرب عنقه"كم رجل ضرب الله عمر -رضي الله تعالى عنه- بالسيف في زمن خلافته؟ لم يُذكر أبدًا قط أنه ضرب، ولكن لو عددنا المرات التي قال فيها عمر أمام حدث من الأحداث:"دعني"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت