فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 545

أضرب عنقه"لرأينا أحداثًا كثيرًا، لا يوجد حديث واحد أنه فعله وهو خليفة لا يحتاج أن يستأذن أحدًا من الناس ليقول دعني أضرب عنقه، هو الخليفة ويستطيع أن يضرب، لكن لماذا؟"

قال هذا المحلِّل -ولعله أصاب في بعض الجوانب-: أن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان يعتمد على وجود الضابط في حركته؛ فهو لأن الضابط خارجي يتحرك العقل في غيره في كثير من الأمور وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إن لم يكن لك عقل داخلي فلا بد من وجود عقل خارجي، إن لم يكن لك حبل ذاتي له مسافة محددة تسمح لك بهذه الحركة التي أعطتك هذه المسافة من الحبل في نفسك فلا بد من حبل خارجي، فعمر -رضي الله تعالى عنه- كان يعتمد على هذا الإِسار وهذا العقل الخارجي، يتحرك فهو -الإطار الخارجي- يضربه ويرجع، ولكن لما انتهى هذا الجدار، لما انتهى هذا الربط، فتصوروا أن عمر لم ينتج لديه ولم تتربى لديه ملكة الضبط الخارجي بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكم سيقتل من الناس؟ وكم سيتحرك من خلال"دعني أضرب عنقه"من أحداث؟ الكثير، ولكنه تربى -بعد أن انهار هذا الإطار الخارجي من الحدود- تربى لديه الحدّ الداخلي في تقليده بنفسه، الرحمة العظيمة.

حتى أنه لمّا مات أبو بكر -رضي الله عنه- وولّى عمر خلفه -رضي الله تعالى عن الجميع- قالوا:"كيف ستقابل ربك وقد ولّيت علينا أقسى القلوب؟"، رجل لا يعرف إلا الضرب، لكنه لما صار خليفة -رضي الله تعالى عنه- له هيبة، ولكنه كانت له الرحمة العظيمة ولا يُعرف أنه أبدًا حمل السيف وكلما خالفه رجل ضرب عنقه. بل لما خالفه جمهور من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم- في قضية الخَرَاج بعد أن فتح سواد العرق ورفض عمر -رضي الله تعالى عنه- أن يوزع الأرض وإبقاءها بيد قومها على أن يؤدوا إليه خراجًا في كل عام، خالفه الصحابة، لم يستخدم معهم صوتًا، جادلهم بالحُجّة مع صبره، وجلس يجادلهم وبعضهم -كما يقال- ضغط عليه في الحديث ضغطًا شديدًا كأمر بلال، ولكنه لم يصنع شيئًا ولم يحرك سيفًا، بل قال فيما قال:"اللهم اكفني بلالًا وصحبه"، فقط دعا ربه، أهذا كنتم تعهدونه في زمنه مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ الجواب لا، لأنه كان يعتمد على هذا المقيِّد الخارجي، أما وقد مات المقيد الخارجي فلا بد أن يكون قد تربَّى لديه عقل داخلي يجب أن يفرضه على نفسه.

فمن لم يتربى من خلال وجود المثال الأول الذي ضربناه، وهو الرابط الأول الذي يقيّده من خلال سلطان ما يرضاه المرء لنفسه رغم أنفه، يجب على المرء إن كان عاقلًا أن يكون له سيد، أن يكون له من إذا أمره أطاع. ثانيًا أن يكون لديه المثال الذي يقدِّم إليه التجارب ليعلمه كيف يبني عاقلًا داخليًا ما لو انهار هذا العقل الخارجي أن يضبطه بذاته. وشباب أهل الإسلام خرجوا من إطار إِسار الشيوخ الذين أوصلونا إلى هذه الحالة، وعاشوا شبابهم من غير وجود مثال يعلمهم العقل في الحياة، وهم ظنوا -هؤلاء الشباب- أن حفظ الكلمات يؤدي إلى فهمهم في التعامل مع الأحداث.

أيها الإخوة، أيها الأحبة، إن معلومة ما، حكمة ما -أقولها الآن- لا تعني أنها هي المؤثرة على حركتي عند عمل ووقوع حدث ما، قد تكون هذه المعلومة موجودة في غلاف الرأس لكنها لا تسير مع قرارات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت