المرء لجهله وضعفه، فلا بد للمرء أن يبني عقلًا من خلال النظر إلى المثال، وهذا يفقده شباب أهل الإسلام.
هاتان قضيتان وكثير غيرها تبيّن لنا أن العقل عندما يُفقد أو عندما لا توجد بيئته فلا يكون هناك عقل لشباب أهل الإسلام، فبعد أن ينتهي المرء من أن يكون كلبًا مسعورًا يعقر من كان خارج دائرة أهل الإسلام، فإنه -لأنه مسعور لا يفرِّق- فإنه سيعقر أهل الإسلام، وهذا هو شان الكثير بسبب عدم وجود البيئة التي تُنتج الإنسان العاقل؛ وأقصد بالعاقل هذا الإنسان المضبوط الذي له حبل إما خارجي وإما داخلي يقيّد الهوى والقرار الذي يُنتج هذا العقل وهذا الحكم.
العقل -أيها الأحبة- هو المادة الأولى لكل عمل، العقل بدونه لا شرع، أتظنون أن في التاريخ الإسلامي فقد الناس الكتاب والسنة؟ الكتاب والسنة موجود ولكن هذا الإطار الذي يتعامل مع الكتاب والسنة قد دخلت فيه الشوائب، أتظنون أنه يمكن للمرء أن يكون خَلُوقًا متخلّقًا بأخلاق النبوة من غير عقل يضبط؟ وما هي الأخلاق؟ ما هو الخُلق؟ الخلق هي مَلَكة -هذا من تفسيرات الأقدمين- قالوا هي ملكة، ونقصد بالملكة ليس العلم العقلي ولكن ملكة باطنية تضبط الحركة، الأخلاق هي ملكة تضبط مسيرة الشخص.
انتبه إلى هذه الألفاظ التي صارت مفقودة؛ العقل من العقل من الربط، من التقييد، لا تظن أن قدرتك على الحركة وأن تستطيع أن تفعل كل شيء ثم تساير هذه القدرة وبعد ذلك تسمي نفسك عاقلًا مفتخرًا، دلّ هذا على أنه لا عقل -لا ربط- لديك؛ الأخلاق هي ضبط، ملكة تضبط سلوك الشخص، تضبط يعني أن يكون لك ضابط يحبسك، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) ؛ الملك هو القبض، الملك هو وضع اليد، يملك نفسه مالك لما يَجُوش من صدره من أمور، سواء كان مبناها على الحب أو مبناها على البغض، مبناها على العطاء أو مبناها على المنع، لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب.
هكذا أيها الإخوة عندما يفقد الناس الشرع وعندما يفقد الناس العقل، وقد يفقد الناس -أيها الإخوة- الشرع مع وجود عقل، لديهم فالحياة تسري وتمضي وتدوم، كما هي القاعدة التي ذكرناها كثيرًا من قول ابن تيمية -عليه رحمة الله-:"إن الله لينصر الدولة الظالمة المشركة .."؛ النصر يعني الدَّوام، دوام هذه الدولة وطول حياتها، أن تدوم حياتها."وإن الله ليخذل ويهزم الدولة المسلمة الظالمة"؛ فحياتها تكون قصيرة، فكذلك إن الله ليديم الحياة في مجتمع من المجتمعات وبيئة من البيئات وإن كانت كافرة ولكن لها عقلًا يهديها، وإن الله ليدمّر البيئة وإن كان فيها الشرع والصلاة ولكن لا عقل لديها، فمبنى دوام الحياة على العقل، ومبنى دوام الحياة على إدراك الأمور من خلال هذا الربط وهذه الملكة وهذا الضبط، هذا هو مبنى الحياة.
والحياة لا تدوم بمجرد صلاتك ولا بمجرد ذكرك لله، أقصد ذلك الحياة الاجتماعية، الدولة، ببقائك أنت ربما هذا قدر لك أما هذه الروابط الاجتماعية، ونحن كثيرًا ما قلنا أن قانون المجتمعات ليس هو قانون الأفراد، هذا خطأ شرحت ذلك كثيرًا؛ قانون المجتمعات له قوانين المجتمع والجماهير، والتجمّعات لها