قوانين خاصة تختلف عن قانون الفرد، ومن أراد أن يجعل قانون الفرد مُعَمَّمُا على الجماعة هذا خطأ كبير، فقانون المجتمع هو هذه الروابط بين المجتمع، هذه الروابط لا يمكن أن تدوم أو أن تبقى أو أن تقوى إلا بالعقل، وقد تتفكّك مع وجود الشرع، وقد تتفكك مع وجود الدين لكل فرد؛ لأن العقل هو الذي يُديم هذه الدولة أي هذا التجمع.
ولذلك إن المجتمع الذي لا عقل فيه -لا ضبط فيه- لا في داخل أفراده ولا باعتبار سلطان فيه، هو مجتمع متفكّك مهترِئ، يضرب بعضه بعضًا، وباسم الدين، والشرع -ذكرت في بداية الخطبة- فيه المتضاربات، يستطيع المرء إذا ضرب أخًا أن يذهب فيقول لك:"أنا أحتج بعمر دعني أضرب عنقه"، وإذا أراد الرجل أن يحتج بالجبن قال لك: أنا أحتجّ بهذا الصحابي الذي قال .. ، أو كما احتجّ بعضهم بقول ابني آدم: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} ، فليست المشكلة في الاحتجاج، هذا الاحتجاج سهل أن ينتقي المرء ما يريد، ولكن المشكلة أن تنظر إلى النتيجة؛ النتيجة تُكذِّب احتجاجك وتكذِّب دليلك، النتيجة بيّنت أنك قد أفسدت الاحتجاج وإن كنت أنت قد اعتنقت أنك قد أتيت بالدليل من الكتاب والسنة.
أيها الأحبة ما هي النتيجة في مجتمع لا عقل له؟ هو التفكك، وهو انتشار الكلاب المسعورة، والمآلات التي يستطيع كل واحد أن يُفرز هواه، لكن بعد ذلك ما هي النتيجة الكلية؟ هي الهلاك، هي الضرب الإلهي على قلوب البعض، أن يضرب قلوب بعض هذا المجتمع بعضه ببعض فحينئذ هي الحالِقة، بمعنى أن فساد العقل يعود على الشرع بالإفساد، إن فساد العقل يعود على فساد الشرع في الإفساد، فسيكون شرع المرء فاسدًا، وكيف يصلي الرجل بجنب أخيه وكل منهما كلب ينتظر أن يعقر وأن يفترس أخاه؟! فسيعود على صلاته وعلى دينه وعلى عبوديته وعلى قبول أعماله عند الله، (إن الله لينزِلُ في ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل أحد إلا لمشرك أو مُشاحن) ؛ فساد العقل يعود على فساد الدين في الإفساد.
فالأصل هو صلاح عقلك، ولا أقول العقل أي الفَهْلَوة، للأسف العقل عند الناس رجل عاقل أي رجل ذكي، ارجعوا إلى أصل كلمة العقل أنه له ضابط، له ضابط إذا خلت نفسه بشيء، إذا أرادت نفسه كلمة أن يفكِّر فيها قبل أن يُخرجها، إذا غلى قلبه بغضب أن يحبسه وأن يُقنِّنه تقنينًا صحيحًا، هذا هو العقل، هذه هي الملكة، هذا هو الضبط. أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يمُنَّ علينا بالعقل.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وتُب علينا وأصلحنا وألحقنا بالصالحين، اللهم إنا نسألك دولة يُعزّ فيها أهل طاعتك ويُذلّ فيها أهل معصيتك. والدولة هي العقل، كم تشريعات الدولة لداخلها وكم تشريعاتها مع مَن خارجها من الكفار أو البُغاة؟ الدولة هي لتعليم من لا عقل له من المسلمين العقل، ولإيقاف الناس عند حدودهم، فنسأل الله أن يرزقنا دولة تجلد ظهورنا إن شَطَطنا عن الحق وأقبلنا على الباطل.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وتُب علينا، وأصلحنا وألحقنا بالمجاهدين الصالحين وانصرهم يا أرحم الراحمين.