الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، بلَّغ الرسالة وأدّى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المحجة البيضاء والطريق الواضح، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتنكَّبُها إلا ضال. أما بعد:
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا.
أيها الأحبة؛ {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ففي هذه الآية العظيمة بيان لما قدَّمناه في الخطبة السابقة من ضرورة العقل والسمع، {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فانحراف المرء في هذه الحياة الدنيا والذي يعقبه الخسار في الآخرة هو بعدم اتباعه العقل وبعدم أخذه بما جاءت به الرسل -عليهم صلوات الله جميعًا وسلامه-، فالعقل هو المحطة التي يتنزَّل عليها الشرع فإذا كان منحرفًا في فهمه، ضالًا في منهجه، غير سوي في فهمه لما يُلقى عليه فإنه سيحرِّف ما، يسمع سيحرّفه ويُقَولِبه إلى قالب يشتهيه، وإلى مراده هو لا إلى مراد المتكلم.
القرآن وهو أجلّ بيان وأفضل خطاب، وأسمى ما يتكلم به متكلم، ففضل كلام الله -عز وجل- على كلام خلقه كفضل الله -عز وجل- على خلقه، وهو الخالق وخلقه هم عبيده، ومع ذلك فإن هذا القرآن تتلوه الأمة بعد القرون الأولى المفضَّلة وهو لا يصنع فيهم خيرًا ولا يحرِّك فيهم إلى فضيلة، وهم يقرأونه آناء الليل وأطراف النهار ومع ذلك لا يصنع فيهم المراد بالخروج من الضلالة إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور، لماذا؟ لأن العقل الذي يتلقى هذا القرآن هو عقل منحرف استقرّت لديه قواعد باطلة وأنماط من التفكير سيئة، فنزل هذا القرآن، فبدل أن يأخذه كما هو ويتلقَّاه تلقّيًا مُسلَّمًا به، جعل يحوِّر هذا القرآن، وهو الذي سمّاه أهل العلم بالتأويل أو التحريف؛ حيث تؤخذ الآيات ويُعمل بها تقصيرًا حينا عن المراد أو تطويلًا حينًا آخر عن المراد، من أجل أن يتلاءم مع العقل الذي يتلقى القرآن، ففسد كتاب الله. حتى قال الصاوي -وهو أحد الشُّراح على (تفسير الجلالين) :"إن الأخذ بظواهر القرآن كفر"، هكذا وصل انحراف أناس يُعدُّون من الأئمة! يقول إن الأخذ بظواهر القرآن كفر، كما زعم هذا المفتري، وسبب هذا أنه يريد -كما يزعم- أن ينزل إلى بواطن القرآن المزعومة لأنها هي التي توافق هواه ولا دليل عليها، ولذلك نشأ في الإسلام من يقال لهم"الباطنية"؛ وهم الذين يقولون أن للقرآن باطنًا؛ يعني إن له من المعاني التي ليست على ظاهر ما ينطق به أو ما يقوله، وليت هذه البواطن تلائم ما فهمه السلف وما فهمه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ظاهر الخطاب، ولكنها تنقض هذا الظاهر بكل ما جاء فيه.
إذًا أيها الأحبة ليس العلم الذي تسمعونه هو كثرة ما يلقى عليكم، ولكن العلم في ابتدائه هو تحرير العقل من قوالبه السابقة الفاسدة، العلم الصحيح هو تحرير العقل الذي يسمع ويتلقى من قوالبه الفاسدة وأنماطه