السائدة، حتى تتلقّى ما يُلقى إليك وما تسمعه متحرِّرًا من أفكار وأنماط فاسدة فتكون سويًا.
ومن تدمير العقل ومن أشد ما يعتري العقل من التدمير هو الكذب، خاصة إذا اسْتَمرَأه الإنسان؛ واستمرأه أي صار له مَلَكة وفطرة، لأن الكاذب لا يعود على الآخرين بالإفساد فقط بأن يلقي إليهم المفاسد والكذبات، ولكن هذا الكاذب أن أكثر ما يُفسد عقله هو؛ لأنه بعد مدة لا يتلقَّى الأمور على ما هي عليه بل يُلقيها كما يتلقَّاها حتى أنه يصبح ينفعل مع الأخبار الكاذبة التي هو يعرف كذبها أو التي هو صنعها، ألا ترى أن الإنسان في أوائل كذبه تظهر عليه سيما الكذب في حركته، في لفظه، في سكونه، إذا تكلم فإنك تقول: أرى عليه سيما الكذب؛ لأنه يضطرب بألفاظه وتختل موازينه، ومن هنا فإن بعض من اكتشف سنن الله في خلقه رأى أن الإنسان عندما يغير هذه الأسطوانة العقلية مما تعلم من الحقائق إلى غيرها من الكذب فإن أعصابه تضطرب، وهذا ما يسمى بجهاز كشف الكذب، فإنما هو جهاز يقيس حركة الأعصاب، والإنسان عندما يكذب تضطرب أعصابه، ولكن إذا استمرأ المرء الكذب فإنه لا يصاب بهذا الاضطراب لأنه يكون مقتنعًا بأن ما يلقي إلى الناس أنه الحقيقة فتفسد أخلاقه، ويأتي إليه التكذيب لكل ما يُلقى إليه. ومن هنا فإن من كذَّب الحق هو في حقيقته قد استمرأ أن يُلقي على الناس غير الحق، هذه طامة كبيرة، على المرء أن يعالج نفسه منها.
كيف يُنمِّي الإنسان عقله؟ هذا هو الموضوع، وهو موضوع مهم، كان أئمتنا بسبب ما نشأوا عليه من الفطرة لا يتحدثون عن هذا الباب كثيرًا، أي لا يتحدثون عن صياغة العقل، ويتحدثون عن ثماره حتى أنهم لما أرادوا أن يفسّروا لنا ماهية العقل، أن يفسروا لنا ما هو العقل، إنما فسروه بثماره، ما هي ثمار العقل؟ قالوا:"العقل هو الأخذ بالمحاسن وترك الرذائل"، وهذه ليست هي ماهية العقل إنما هي ثماره، فالعقل بضبطه لحركة الإنسان من حيث كونه عاقلًا، أي حبلًا رابطًا لحركته تقيّده من أن يقوم بالشر لأنه عاقل، فهذا العقل هو الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، وهذا ليس هو العقل هذه هي ثماره.
قال ابن حزم:"العقل هو اتباع السنة"، ليس هذا هو العقل هذه هي ثمار العقل، فكانوا يتحدثون لسلامة تلك المجتمعات الأولى التي لم تدخل إليها شرور الباطل عن ثمار العقل كأنه العقل، ولذلك إن من كفر في الأزمان الأولى ذكر القرآن أن سبب كفرهم ليس هو عدم اقتناعهم بالحق بل لعدم رضا الأهواء لهذا الحق {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} ؛ كفرهم بسبب الظلم مع معرفتهم بالحق. ولكننا نرى في زماننا هذا أن الكثير بل الأغلب في كفر من كفر من الأمم هو بسبب انحراف عقولهم عن الجادة، ومحاولة مشايخ العصر إقناع الآخرين بسلامة الإسلام إنما هو مأتاه أنهم عادوا على الإسلام بالتحوير والتزوير ليوافق عقولهم، وهذا يدل على أن العقول قد أصابها الانحراف.
لماذا عقولنا -نحن أهل الإسلام- أصابها الانحراف؟ هذه مسألة طويلة تحتاج إلى تحرير وإلى بيان شديد، لها أسباب بسبب ممارسات بِدعية أثرت على أنماط عقولنا، فمن ذلك الصوفية؛ فإن أساس الصوفية يقوم على تحليل الأحداث عن طريق"الكَشْف"أو ما يسمى بـ"الجَذْبَة"، وهي قضية لا سنة فيها ولا برهان فيها، هكذا زعم الشيخ، هكذا حلَّل الإمام، هكذا فكَّك القائد، هذا فتح رباني.