هذه قضية منها الصوفية، الحديث عن علل وأسباب انحراف العقل المسلم تحتاج إلى طويل بيان يا قوم، أنتم أيها الإخوة ونحن بسبب أمراض كثيرة صرنا نعدُّ أن العلم هو استطاعة المرء أن يحفظ الكمية لا أن يُكيِّف هذه الكمية بعلم صحيح، نحن نجزم أن بعض الناس في زماننا هذا يحفظ من الأحاديث واطلع على الشريعة المروية أكثر مما اطلع عليها كبار الصحابة، فلماذا هذا الصحابي فاعل في حياته، مؤثر في محيطه، واصل إلى مبتغاه عن طريق صراط مستقيم أي بأقرب الطرق؟ ولماذا كثرة الرواية عند رجل لم تصنع منه رجلًا فاعلًا كما كان عند الصحابة؟
أتريدون أن تحفظوا الروايات؟ أتريدون أن تحفظوا كمية هائلة؟ إنها لا تصنع شيئًا مع عقل فاسد {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} .
ولما رجعت من خطبة الجمعة السابقة جعلتُ أُقلِّب القرآن باحثًا عن آية جامعة بين السمع وبين العقل، بين النقل وبين العقل، بين ضرورة اجتماعهما؛ لأني شعرتُ أني لم أقدم آية فيما ذكرت، والمسألة هداية من الله -عز وجل-، فلما نظرت وتفكرت فوجدتُ هذه الآية، ولم أقرأ في شيء من كتب التفسير مبيّنة لهذا الفضل {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} وهو النقل الذي يأتي به النبي، {أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ، فالسعير يصل إليه المرء لعدم عقله أو لعدم سمعه، وتكون الطامة الكبرى من دلالات هذه الآية حينما يكون المرء سامعًا لا عقل له، كما قال الله: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} إذًا هو يسمع ولكن لا يأتي بخير بسبب عدم عقله.
أردت أن أنبه في هذه الخطبة على قيمة التاريخ، على قيمة القراءة الواعية للتاريخ؛ لأنه يحرر العقل من أوهام الخرافة، ويحرر العقل من أوهام المكذوبات، إذ التاريخ -يا قوم- هو سنة الله في الحياة {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} ، النظر في الأخبار الماضية عبرة وعظة {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ، فقراءة التاريخ تحرر العقل وتنظفه، ولذلك كان من شأن الأئمة السابقين أن يكتبوا التاريخ، وقد ألف كثير من الأئمة في قيمة هذا العلم وأهميته بالنسبة إلى الإنسان، ومنهم الإمام السخاوي -عليه رحمة الله- في كتابه (التوبيخ لمن ذم التاريخ) ، فإن أُناسًا يظنون أن قراءة الحياة التي هي تاريخ الأقوام السابقة هي مضيعة للوقت، التاريخ قراءة الأخبار، قراءة ما تم في حياة الأمم كيف نشأت وكيف بادت، قراءة أخبار الصالحين وأخبار كذلك الهالكين الصالحين، إنما تنوِّر القلب وتكشف للإنسان عبثية هذه الحياة بالنسبة لمن أرادها عبثًا أنه سينتهي، وكرامة هذه الحياة لمن أرادها سنة يسير فيها خطوة بخطوة.
وقراءة التاريخ تعلمك -يا رجل- كرامة السُّنة وأنها لا تُحابي أحدًا؛ فإن الإنسان عندما يقرأ تاريخ الأقوام السابقين من الملوك ومن العلماء من الثقات، من الكفرة من الصالحين من الفجرة، فإن المرء يدرك أن هذه الحياة تسير في سنة لا يمكن أن يكون فيها شيء من العبثية أو يكون فيها شيء من الصدفة، وهو الشيء الذي يحكم عقول المسلمين بالنسبة في خروجهم من مأزق الحياة. كيف هذا؟ إن كثيرًا من المسلمين ينتظرون في هذا العصر آية من السماء تنزل فتنقلب الأحوال من هذا الواقع السيء إلى واقع حسن، إن قراءة التاريخ تقول لك هذا من العبثية التي تتبرأ عنها سنة الله -سبحانه وتعالى-، وأن هذه