فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 545

الحياة لا بد أن يسير المرء فيها سيرًا سُننيًا.

قراءة التاريخ تُسقط من قلبك التعلق من هذه الحياة؛ لأنك ستدرك أنه مها بلغ شأن دولة ما أو شأن رجل ما فإن مصيره إلى مصير أدنى رجل وأرذل رجل، وإنما قيمة الحياة فيما يأخذه المرء معه إلى قبره {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} .

وإني لاقف حائرًا في أخبار كثيرة في هذا العصر، الناس يؤمنون بها إيمانًا قويًا على أنها على جهة ما وعلى هيئة ما، يعني لو ذكرت لكم بعض الأخبار التي تسيطر علينا بحكم دراستنا في مدارس معينة أو بحكم اطلاعنا على وسائل إعلام ما، لوجدنا أن في عقولنا استقرارًا لمُسلَّمات وأفكار أو لأخبار؛ لأنه قد جرى تعمية الخبر الصحيح وإفشاء عن طريق وسائل البيان والدعوة والإعلام الخبر الفاسد، ولكن التاريخ يا قوم أبى إلا أن يُظهر المخالف، عندما يقول سفيان الثوري -عليه رحمة الله-:"لو فكر رجل في سحر الليل أن يكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصبح الناس يقولون فلان كذاب"؛ بمعنى هذا أنك تستطيع أن تلعب حينًا، وتستطيع أن تخدع الحقيقة حينًا، تستطيع أن تُخادع الناس حينًا، وأن تتلاعب تلاعب الساحر والحايل، وأن تزوِّر على المحيط بك خبرًا أو قضية، ولكنها مضت سنة الله -عز وجل- أن يَبين الحق وأن يظهر الحق وأن يكتشف الناس هذا.

مضت سنة الله على أن سنة الله في التاريخ لا تحابي أحدًا من البشر، فكثير من الناس لبسوا مسوح الضأن والرهبان، فما هي إلا أحداث ما حتى تكشَّفت بواطنهم عن ذئاب وكلاب، عن ذئاب شرسة وكلاب خادعة مسعورة.

سنة الله تُبيُّن لك في هذا إن خدعت الناس حينًا فإن التاريخ لا يرحم وسيظهر كل شيء، سنة الله -سبحانه وتعالى- قضت أن يبرِّئ الله البريء وأن يكشفه، هؤلاء علماء ماتوا بسبب ظلم الناس لهم فرفع الله شأنهم، لما ألف الإمام مالك كتابه (الموطأ) وجعل الله له الصيت في الأرض، سارت به الركبان في شرق الأرض ومغربها، أراد الناس أن يسيروا على منواله وأن يكتبوا موطئًا حتى يكون لها الشهرة التي لموطأ الإمام العظيم المبجل الإمام مالك، فكتبوا، فجاء إليه بعض تلاميذه يقول له: يا إمام لقد كتب الناس كما كتبت فانتشرت الموطَّئات، فقال:"ما كان لله يبقى"، قال الراوي:"وكأنها غارت في بئر"؛ أي لا يسمع الناس شيئًا عن خبر الموطئات الأخرى، ولم يبقَ إلا النجم موطأ الإمام مالك، فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

خديعة الله -عز وجل- لا تتم، وحركة الحياة التي هي التاريخ حركة الحياة هي سنة الله {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} ، والله إن رجلًا يخادع الناس مهما كان شأنه سيفضحه الله -عز وجل- ولو في جوف بيته، وسيسير في الناس الكلام فلان كذاب فلان صادق، وستتكلم النساء في خدورها عن الحق، هكذا يغشى الحقُّ القلوب، يغشى قلوب الناس وهكذا يظهر الباطل.

سنة الله -عز وجل- تعلِّمك أنه ليس بنفسيتك ولا بأهوائك ولا بأمانيك وإن كنت صالحًا يُعطي الله النتائج {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} أمانيكم لا قيمة لها، هؤلاء هم العرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت