الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
إخوتي في الله، إن الله سبحانه وتعالى لم يربط دينه إلا بأصلين: بالكتاب والسنة، وهما المعيار الحق الوحيد الذي لا يعتريه النقص ولا يأتيه الباطل، فإذا خاصمنا فلنخاصم على هذين، وإذا أحببنا فلنحب على هذين، وإذا عادينا فلنعادِ على هذين، الحق معهما.
دوروا مع القرآن حيث دار، دوروا مع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث دارت، ولا ولاء لأحد إلا للكتاب والسنة ومع تمسك بهما حق القيام.
قال - صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبانِ جائعانِ أُرسلا في غنمٍ، بأفسدَ لها من حرصِ الرجل على المالِ والشرف لدِينه) ما معنى هذا الحديث؟ أي أن الذئب الجائع إذا ألقي في غنم ماذا يصنع بها؟ يفسدها جميعًا قد يأكل ذبيحةً واحدة ولكن الإفساد يتم بالقطيع كلهِ، يأتي إلى القطيع كلهِ ويهلكهُ كنفسٍ واحدة.
إن فساد الرجل الذي يبحث عن المال أشد من إفساد الذئبِ لهذا الغنم، والأفسد منه كذلك: (ما ذئبانِ جائعانِ أُرسلا في غنمٍ) الـ (ما) نافية؛ أي ليس الذئبان الجائعان بأفسد من حرص الرجل على المال، والثاني ما هو؟"الشرف لدينه"وتفسير الشرف لدينه تفسير يطول ولكن أضرب لكم مثالاً يقرّب بعض معاني هذا الحديث العظيم.
لو أن إنسان يريد أن ينكشف أمام الناس ليشرف عليهم ليكون عاليًا، والرجل يشرف على الآخرين إذا كان أعلى منهم فهو يحتاج إلى شرفة، والشرفة في لغتنا هو المكان المرتفع، فإذا أردتُ أن أشرف عليكم أو على ناس أو على قوم فإنما أصعد على مكانٍ مرتفع فأقف لأشرفَ على الناس.
فـ"الشرف لدِينه"الناس إذا أراد أن يشرفوا على الناس يشرفوا عليهم إما بالمال -أي يعرفوا ويشتهروا ويصبحوا أعلى منهم- إما بالمال والمنصب وبعض القوى كقوة الخطابة وغيرها وغيرها وغيرها ..
فهؤلاء يشرفوا على الناس بأمور، ولكن حين يشرف الرجل على الناس بسبب الدين حيئنذٍ يكون من أفسد خلق الله.
هؤلاء أتوا بالمصاحف وصنعوا منها منبرًا من المصاحف ووقفوا فوقها ليقولوا للناس: اعرفوا!
فقد استخدموا دين الله من أجل أن يشرفوا على الناس وماذا كان تحت أقدامهم؟ دين الله عز وجل!
هؤلاء قوم استخدموا كتاب الله، كلام الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ من أجل أن يتشرفوا أمام الناس من أجل أن يتخذوا دين الله؛ ليبلغوا به المال والمنصب والشهرة، استخدموا دين الله عز وجل مهانةً لأقدامهم، مداسًا لأرجلهم!؛ من أجلِ أن يبلغوا مآربهم الدنيوية.
هؤلاء أفسد على دين الله عز وجل من إرسال ذئبين جائعين في قطيع غنم (ما ذئبانِ جائعانِ بأفسدَ من حرصِ الرجل على المالِ والشرفِ لدينه) .